‏إظهار الرسائل ذات التسميات همزة وصل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات همزة وصل. إظهار كافة الرسائل

3 يوليو 2021

أشياء قد تقال في ذكرى وفاة إرنست هيمنجواي

 حين يطرأ في ذاكرة أحدهم أو يعبر في ذكرى ما، ربما قد يفكر أحدهم بأن إرنست هيمنجواي لم يكن بالضرورة شخصاً جيداً كفاية على صراط الجودة الإنسانية، وربما أحياناً كانت له مضاره على الآخرين وعلى ذاته لكثرة طيشه وشدة عناده وأنانيته في كثير من الأحيان وجموحه بكل الأحيان، لكنه رجل غير متلوّن لم يكن إنساناً مؤذياً بشكل متعمد أو سيئاً كذلك. ولم يكن مدعياً كما يحاول بعض المبدعين أن يخلقوا وجوهاً أخرى فوق وجههم الحقيقي. لقد كان هيمنجواي عارياً بحقيقته في كثير من الأحيان. وربما لذلك كان إنساناً حقيقياً، بشرياً بحق. له جوانبه الجميلة والعظيمة وأخطاءه وعيوبه كذلك. والرجل الذي قال بأن: "لا شيء من النبل أو الرقي في أن تكون أرفع مقاماً أو أسمى من الآخرين؛ النبل الحقيقي هو أن تكون أفضل من نفسك في الماضي." كان كثيراً ما يحاول وكثيراً ما ينحدر عن مساره رغم ذلك. 

لم يكن هيمنجواي رائعاً بالضرورة، لكنه كان صاحب حياة مثيرة للاهتمام وشخصية مثيرة للفضول وساحرة. ربما لذلك نال جانبه الإنساني الاهتمام بقدر ما نالت كتابته. وهو نادراً ما يحدث مع مبدع أن يجمع -في الحقيقة المجردة وليس الظاهر- ما يستحق في الجانبين. 

لذلك لم يكن هناك غرابة في أن يكون هيمنجواي هو الكاتب الذي أثار فضول التاريخ وتناولت السينما حياته وشخصه عن قرب بأكثر من عمل، وحل حضوره طاغياً وبارزاً ولو بمشهد واحد أو حتى بمجرد ذكره خلال الأحداث في أكثر من عمل آخر. وعبر من خلال سير الآخرين. ومنهم نساء اقتربن منه. ربما لم يكن رجلاً متعدد العلاقات طوال الوقت، ولكن كانت له علاقات عديدة. فكان مغرماً بالنساء والجمال ويملك شخصية تعرف كيف تحظى بحب امرأة، ولكنه كان مهووساً بشيئين فقط في حياته ولا ينتمي لسواهما: نفسه والكتابة.

كانت حياة إرنست قنبلة طاقة موقوتة تتأجج بحماسه لكنها قد تنفجر في وجهه لاحقاً. وظلت شخصيته عصية على الالتفات عنها. بالطبع ظل مثيراً للاهتمام تناول حياة ‏الكاتب الذي حصل على نوبل في الأدب عام ١٩٥٤ وتعرض لقذيفة بالحرب العالمية وأصيب بالملاريا والإلتهاب الرئوي وفقر الدم وسرطان الجلد ومرض السكري وترسب الأصبغة الدموية وتعرض لكسر بالجمجمة والعامود الفقري بسبب تحطم طائرته مرتين، الرجل الذي واجه كل هذا ومر منه سالماً وعندما سئل عن أكثر ما يخيفه قال: "ورقة بيضاء". وعاش حتى وصل عمره إلى ٦١ عام، ثم انتحر بسبب ‎الإكتئاب! 

وفي أيامه الأخيرة، ‏كتب إرنست 47 نهاية لرواية "وداعاً للسلاح" والتي كانت آخر رواياته لأنه كان يبحث عن اللغة الصحيحة جداً والصائبة جداً التي ترضيه عن عمله بالفعل!

‏وبعد وفاته نشرت في الطبعة الحديثة من الرواية النهايات ال 47 بأكملها، مما يجعل قارىء الرواية له حرية اختيار النهاية التي تتوافق مع ميوله ورغبته في رؤية نهاية العمل بناءاً على مشاعره أو انطباعه العام عن العمل. ما بدا شيئاً رائعاً وغريباً مقارنة بعادة هيمنجواي في السيطرة المطلقة والاقتضاب في مسار كتابته. وهو شيء أشبه بما تغير في شخص إرنست ذاته عبر السنين، من رجل يضع النهاية وحده دائماً لكل قصصه بما يوافقه هو فقط، حتى في حياته الخاصة، إلى رجل صار متصالحاً مع جوانب أخرى للنظر غير جانبه. ومقتنعاً بأن ليس له الصواب المطلق في الحياة أو حتى الكتابة.

وفي ‏مثل هذا اليوم منذ 60 عاماً، جلس "إرنست هيمنجواي" وهو يملك ما يكفي من مجد ومحققاً عظمته الأدبية، على مقعد بمنزله ووضع ماسورة بندقيته في فمه وضغط على الزناد بساقه، وفجر رأسه الثري مخلفاً كل ما أورثه لنا من حياته خلفه.

| أشياء قد تقال في ذكرى وفاة إرنست هيمنجواي - أسماء حسين - ٢٠٢١ 

‏

5 يونيو 2021

أن تُأخَذ المخيلة الروائية على محمل الجد

أن تُأخَذ المخيلة الروائية على محمل الجد


الكتابة عند سلمان رشدي.. قريبًا من التجريب بعيدًا عن الذاتية
____


ماذا لو كان سلمان رشدي كاتبًا عاديًا مثل أي شخص آخر؟ هل كان تأويل نصوصه سيختلف؟

يبدو من السخافة قول ذلك، لكن على الرغم من كل شيء، عندما يفتح القاريء أحد كتبه، فمن الصعب عليه فصل التفكير عن الفتوى الصادرة ضده منذ 14 فبراير 1989. تلك التجربة التي رواها تفصيلًا عام 2001، وكان لها أثرها في خلفيات أعماله وتأويل نصه السردي بعد ذلك، وأشيع بأن عنوان روايته "جوزيف أنطون" الصادرة في 2012 هو اسم مستعار له شخصيًا، إلى جانب كونه إشارة إلى اختصارات لأسماء الأدباء: "كونراد و تشيخوف". السرد الذاتي (بصوت الشخص الثالث) الذي يكشف فيه عن حياته اليومية داخل أحداث الرواية، قد يبدو بالتأكيد فوضويًا: مخاوف أمنية، جنون العظمة السائد حوله، انتكاسات عاطفية، رحلات محمومة، معانٍ خفية غير منتظمة، لقاءات استثنائية، ضغط سياسي أو دعم، إلخ. يأتي الأمر أبعد من صراع هدر الدماء أو الرمز لحرية التعبير، تبدو هذه السيرة الذاتية، أكثر تصورية مما يبدو، وتؤكد الجرأة الأدبية للمؤلف الذي يسعى باستمرار للتجديد، وأمام حصر رؤيتها في نطاق الذاتية من قبل بعض النقاد والقراء رغم كونها عملًا روائيًا بالأصل، فهي تستحق أن تقرأ روائيًا أيضًا لجودة النص حتى كسيرة ذاتية خالصة.

سلمان رشدي هو روائي بريطاني وُلد في الهند بمدينة مومباي، درس في المدرسة التبشيرية الإنجليزية، وأكمل دراسته للتاريخ في جامعة كنج لونج بمدينة كامبردج البريطانية وتخرج عام 1981. عمل قبل أن يتفرغ لكتابة الأدب لدى وكالات الإعلان مثل وكالة أوجلفي ووكالة ماثر وآير باركر. صدرت رواية سلمان رشدي “أطفال منتصف الليل” عام 1981، في لندن، وهي أولى خطوات توثيق بصمته الأدبية المميزة، تحكي الرواية عن رحلة الهند على مدى 60 سنة من الانتداب البريطاني مرورا بالاستقلال وحتى الانقسام. تم تعريب الرواية للمرة الأولى في دمشق. كما أنها حصلت على عدد من الجوائز العالمية كان أهمها جائزة البوكر بالإضافة لجائزة البوكر التي تمنح لأفضل رواية على مدى سنوات ، كما تم إدراجها على قائمة البي بي سي لأكثر الكتب قراءة، عدا عن إدراجها على لائحة أفضل روايات القرن العشرين. وحاز على جائزة "ويتبيرد" عن أشهر رواياته "آيات شيطانية" في عام 1988 التي أحدثت ضجة في العالم الإسلامي لإعتبارها إهانة لشخص رسول الإسلام. وأصبحت موضوع فتوى لآية الله الخميني منذ 14 فبراير 1989 بإهدار دمه، وفي أعقاب الفتوى بإهدار دمه نجا الروائي سلمان رشدي من محاولة اغتيال عام 1993، بواسطة كتاب مفخخ، حاول متطرف تمريره إلى جناحه في الفندق الذي كان يقيم به.

عاش سلمان رشدي، المولود في التاسع عشر من يونيو عام 1947، حياة عريضة كما يجب أن يحياها من هو مثله، روائي مثير للجدل، وكاتب ناجح بأعمال ملهمة، وحاصد للجوائز العالمية الهامة، يظهر في أعماله حس الكاتب المستند إلى خلفياته الذاتية  بشكل فانتازي، أسلوبه السردي يقوم على المزج بين الأسطورة والخيال مع الحياة الحقيقية، فيما يسمى بالواقعية السحرية. أصبح سريعًا رمزًا للنضال من أجل حرية التعبير وضد الظلامية الدينية في السنوات الأخيرة. 

خلال مقابلته مع "بابتيست ليجر" محرر المجلة الفرنسية "لير"، يتحدث عن رؤيته ككاتب وتطور كتاباته، وذائقته الأدبية، وضرورة فصل الكتابة الروائية عن السيرة الذاتية، وهو الالتباس الغالب على نهج السرد في مشواره الأدبي:


ماذا كانت كتبك المفضلة خلال الطفولة والمراهقة؟

من ناحية، كان الضجر قد أصابني من جميع الحكايات التقليدية. ومن ناحية أخرى، من خلال ما توفر أمامي من الأدب البريطاني المصرح به في الهند، وجدت عوالمًا أخرى. أتذكر كم كنت متأثرًا ب"لويس كارول" في "أليس في بلاد العجائب" - وهو مؤلف لطالما لمسني بشكل خاص - وكتابة "روديارد كيبلينغ"، وخاصة "كتاب الأدغال". وعند وصولي إلى إنجلترا، صُدمت عندما اكتشفت قدر ما لم أعرفه من أدب الخيال، وصادفت عناوين مميزة مثل رائعة "سيد الخواتم" ثم ذهبت بحرية مع أدب الفانتازيا المتاح أمامي. صار الأمر مثل الإدمان على المخدرات بالنسبة لي!


بتلك المناسبة، كانت روايتك الأولى، "غريموس"، تنتمي لكتابة الخيال العلمي، أليس كذلك؟

كنت مجرد مبتدئًا حينها. بالنسبة لغريموس، كان عمري بين 25 و 26 عامًا. وقد حاولت أن أصنع نوع من المزج بين الغرابة والخيال، من خلال تنقيح بعض الأساطير العزيزة عليّ. وبالفعل في ذلك الوقت كنت مهتمًا بفكرة بناء الجسور بين الثقافات. أيضا، محور هذه الرواية هو قصة السعي - شكل السرد الذي فتنَني دائمًا، مثل حكايات السعي للكأس المقدسة، أنا مغرم بتيمة البحث والسعي في الحكاية. وأخيرًا، إنه عمل أضعه الآن بعيدًا جدًا كمرجع لتطور أسلوبي ووعيي في قائمة كتاباتي. إذا بدأت في قراءته مرة أخرى اليوم، فهناك فقرات يمكنني أن أتعرف على نفسي فيها، ثم ستكون هناك صفحات حيث لن أتمكن من العثور حتى على أثر يدي. هكذا يحدث أن علاقتي بالأدب تتغير كثيراً على مر السنين.


نلاحظ أحيانًا تحمسك للثقافة الشعبية. وكان لموسيقى الروك مكانًا أيضًا في قلب عالم رواية "الأرض تحت قدميها". ماذا يعني التذوق الشعبي للمؤلف؟

لطالما اعتقدت أن الأدب يتكلم دائمًا عن عالمنا اليوم. ببساطة لأن المؤلف يعيش هناك، ثم يعيد تحويل الزمن، في طريق غير مباشر أو مجازي، ليسرد حكايته، ويظل هو الوقت الذي يعيش فيه.

أنا لا أحب فقط معرفة ما يدور في أذهان الناس، ولكن أيضًا معرفة لحن اللحظة التي يريدون الدوران فيها، البرنامج التلفزيوني الذي كانوا يشاهدونه في اليوم السابق أو الملابس التي سوف يرتدونها في اليوم التالي. كل هذا هو العالم الحديث والمحيط بنا، وعندما يكون المرء كاتبًا، يجب أن يعرف من هم معاصريه، أن يتابع كل شيء عنهم، حتى في أدق التفاصيل. "الأرض تحت قدميها"، كانت فرصة مناسبة بالنسبة لي لاستحضار تلك الموسيقى التي استمعت إليها عندما كنت طفلا، في بومباي، خلال 1950، حيث مسيرات الاحتجاج، تسجيلات ألفيس بريسلي، في ومضات قصيرة كأنها جاءت من مكان آخر. كانت أول مظاهر عولمة الثقافة الشعبية حينها، تمثل إعصارًا حداثيًا لكوكب الأرض بأكمله. من الصعب الآن إدراك ماذا كان يعني كل هذا حينها، في حين يمكنك الآن نشر فيديو على الإنترنت خلال خمس دقائق ويمكن لأي شخص رؤيته في أي مكان في العالم.


متى قررت أن تصبح كاتبًا؟

أخبرني والداي أنني في سن مبكرة جدًا قلت لهم إنني سأصبح كاتبًا مشهورًا. ليس لدي أي ذكرى عن ذلك الآن، لكنني أصدقهم. الكتابة ظلت هاجسًا يطاردني، حتى لو لم أكن أدرك ما يعنيه حقًا. بعد تخرجي، قمت بكتابة الكثير من الأشياء، لكني لم أحصل على نتيجة نهائية. حتى أنني تركت قصة كاملة خلفي بسهولة من البدايات، ولم أحاول العودة لها أبدًا. أيضًا، كان لدي مشكلة مع هويتي، وربما هذا هو السبب في كتابتي "أطفال منتصف الليل". كنت بحاجة للعثور على ذاكرة الهند التي كنت أعرفها، والتي كانت جزءًا مني، بينما افترضت مجازيًا من كنت حينها، وأين كنت أعيش. اضطررت إلى العودة إلى طفولتي والقيام بمهمة تذكارية. ثم بدا من الواضح، بشكل تدريجي، أن المشروع بدأ يأخذ اتجاهات أخرى وطموحًا آخر.


عندما تم إصداره في عام 1981، تلقى "أطفال منتصف الليل" استقبالًا نقديا وجماهيريا واسعًا. حتى أنك حصلت على جائزة البوكر عن الرواية، ثم لاحقًا حصلت على جائزة أفضل بوكر في الأربعين سنة الأخيرة! هل ذلك التحمس المرافق لبداياتك خلصك من الرغبة في الاعتراف؟ هل منحك هذا حرية أكبر في بقية مشوارك الأدبي؟

يمكن القول بأنه كان نوعًا من التحقق في مشواري ككاتب. حيث جعلني قادرًا على المثابرة وقتل كل الشكوك في داخلي. شعرت بأنني اخترت الطريق الصحيح وقد أتمكن حتى من العيش على قلمي. بحلول الوقت الذي انتهيت فيه من "أطفال منتصف الليل" بدا لي أنني قمت بعمل صادق، وأن المهمة قد تمت، لكني لم أكن أعرف حقًا ما قيمة هذا النص بالتحديد، وكيف يمكن أن يدركه الناس.

طمأنتني المراجعات الأولى، فضلا عن عوائد بيع الطبعات الأولى. كنت قد نجحت بالفعل على ذلك النحو. وما تلى ذلك كان مجرد مكافأة، إذا جاز التعبير. والمكافآت الرسمية دائمًا لطيفة. أيضًا، بعد الإصدار البريطاني، كنت قلقًا بشأن كيفية استضافة الكتاب في الهند. ولحسن الحظ، سارت الأمور بشكل جيد كذلك، واستطعت أن أحقق نجاح مدوّ!


لقد نشرت جوزيف أنطون، مقدمًا العمل كرواية، بعد أن بدا في إخراجه كسيرة ذاتية. ومع ذلك، وفقًا لبعض منظري الأدب، فإن الرواية هي دائمًا سيرة ذاتية مخفية. ماذا تعتقد بشأن ذلك؟

أنا لا أشاركهم وجهة النظر تلك على الإطلاق. في "عوليس" على سبيل المثال، "جيمس جويس" ليس هو "عوليس"، على الرغم من أنه يشبهه كثيرًا. ومارسيل في "البحث عن الزمن المفقود" ليس تمامًا "بروست"، من المسلّم به أننا نعرض جانبًا من أنفسنا دائمًا في شخصياتنا، وسلوكهم هو بالضرورة من صياغتنا. لكنهم ليسوا بالضرورة نحن. مثالًا على ذلك، الأسرة التي قمت بوصفها في "أطفال منتصف الليل" كانت في الأصل لي، - الجد، العم، هيكلتها تنتمي لي -. وكل شيء تغير أثناء كتابة الرواية. الراوي صار مختلفًا تمامًا عني! وبالنسبة إلى "جوزيف أنطون"، فإن هذا النهج الروائي ليس له أي علاقة بتلك النظريات عن خلط السيرة بالرواية.


إنها في النهاية إذن ليست سيرة ذاتية تقليدية. يبدو أنك تلعب مع غموض الأنا، وتعطينا المناسبة المرغوبة، في نهاية الجملة السردية، وتحتفظ بمفاتيح النص الخاص بك. إذا هل يمكن أن نقرأ "جوزيف أنطون" على أنها انعكاس روائي لكيفية "تخيل" الكاتب لحياته؟

إطلاقًا. إنه عمدًا كتاب أكثر تعقيدًا مما يبدو. وتلك الرواية ليست فقط نافذة سلمان رشدي ليخبرك عن حياته! لقد حاولت خلط ثلاثة نماذج مميزة للغاية في كتابتها: المذكرات والوثيقة الخيالية وصورة الذات - ليس فقط عني، ولكن أيضًا عن حقبة زمنية بأكملها، أعود إليها. أنا أحب فكرة استعادة الكثير من الذاكرة الإنسانية في تقنيات الرواية - خاصة فيما يتعلق بتوصيف الأشخاص أو الشخصيات - وفي هذا السياق النهاية مختلفة تمامًا.


إذن يمكنك اقتباس الكثير من الشخصيات الشهيرة مجازيًا. هل تكون لعبة صغيرة من "إسقاط الأسماء"؟

أفهم أنك قد تعتقد ذلك، ولكن الأمر ليس كذلك على الإطلاق. حدث أنني التقيت بالعديد من الأشخاص المعروفين بالفعل، وبالنسبة لبعضهم، فقد أصبحوا أصدقاءًا أو ساعدوني في لحظات مهمة من حياتي. وعلى ذلك اكتسبت صفاتهم بعدًا في وعيي السردي.


عند النظر إلى غلاف كتابك "جوزيف أنطون"، قد يتكون لدينا شك حول طبيعة ذلك الكتاب. حجم الخط والخط هو نفسه بالنسبة للعنوان واسم المؤلف، لذلك فمن المشكوك فيه ما إذا كانت سيرة ذاتية لسلمان رشدي بعنوان جوزيف أنطون، أو رواية لجوزيف أنطون عن سلمان رشدي.

خاصة وأن جوزيف أنطون يعتلي قمة الغلاف! يبدو الأمر طريفًا، كان ذلك التنسيق اختيارًا تطوعيًا تمامًا، والأفضل من ذلك، أنه حتى أحد أسباب اختيار العنوان. أردت أن أعرّض القاريء على الفور لجانبه الشيزوفريني.


قد يستعيد العنوان ذكرى بعض روايات القرن التاسع عشر، مثل "جين آير"، "ديفيد كوبرفيلد" أو "أوجيني غراندي". أليس كذلك؟

من المثير للاهتمام أن تتحدث معي عن "أوجيني غراندي"، لأنها الرواية التي رافقتني أثناء كتابة فيلم "الجنون"، قبل بضع سنوات. لكنك كما أرى تقارنني ببلزاك؟ لذلك أعتبر أنني لم أخسر جائزة يومي بالتأكيد!، خاصة وأن الاسم المستعار الذي اخترته هنا أيضًا هو إشارة مستترة لكاتبين عزيزين عليّ: "جوزيف كونراد" و"أنطون تشيخوف".


من بين الكتاب المعاصرين، من تراه ينعم بالموهبة الواضحة؟

هناك دائرة بريطانية أدبية قد تتضح بأكملها، حيث نجد أشخاصًا مثل "إيان ماكيوان، مارتن أميس، كازو إيشيجورو أو أنجيلا كارتر". كيف لا نقدرهم صراحة؟ هناك أيضًا مواهب من الجيل الحديث، مثل "ديفيد ميتشل". كتابه "سحابة أطلس" مدهش حقًا! ولكن لدي ولع خاص بجميع كتاب أمريكا الشمالية من الأصول المهاجرة، الذين حملوا في لغتهم أصولهم المهاجرة وتقاليدهم بعد الموجات اليهودية أو الإيطالية وتأثروا بها. من الضروري قراءة شخص مثل "جونو دياز" أو "تشانغ-لي"على سبيل المثال.


ما رأيك في تعبير "الأدب العالمي" لتحديد بعض هؤلاء المؤلفين، على وجه التحديد؟

إنه تعبير غبي. هناك فقط روايات جيدة وأخرى سيئة.


هل لديك شعور بالتطور في كتاباتك؟

بالتأكيد. لكنه ليس،على عكس ما قد يعتقده المرء، بسبب الصدى أو الذائقة. تبدأ الكتابة في مكان معين، ثم تسافر، وتذهب إلى لغات أخرى، ولا تنتهي الرحلة. لذلك نحن نتغير وكتاباتنا أيضًا. في البداية، كنت بحاجة إلى إدخال "الطابع الهندسي" على نصوصي - فالموضوع فرض نفسه في "أطفال منتصف الليل". لكنني أدركت أنها مجرد أداة، وسيلة ما. لذلك اضطررت للتوقف ووجدت ملجأ عفويًا في الألعاب السحرية والكتابة المفرطة. وانتقلت إلى مدار آخر. لذلك "الآيات الشيطانية" ليست في وضع مقارنة مع "شاليمار المهرّج"! أخيراً، أعتقد أنني لا أريد أن أكرر نفسي بشكل عام، للقيام بنفس التجربة في كل عمل، حتى لو كان من الواضح أن الأمر قد يكون له سحره.


كيف تدخل في كتابة رواية؟

أبدأ دائمًا بأخذ الكثير من الملاحظات وجمع الكثير من الوثائق عن مادتي. وبفضل ذلك، أبدأ بتوضيح الفكرة العامة للكتاب. ثم ينبغي بعد ذلك أن يكون لدي بنية عامة من السرد ودقيقة إلى حد ما، بالرغم من أنني أعلم جيدًا، منذ البداية، أنه قد يكون هناك العديد من الاضطرابات والتحولات. وعلى مدار الكتابة، بعض الشخصيات التي اعتقدت أنها ثانوية قد تأخذ دورًا أكثر أهمية، والمكائد الفرعية التي تبدو غير ذات صلة ربما تصبح هامة جدا - والعكس بالعكس. أيضًا، أستطيع أن أفهم بعض أبطالي بشكل أفضل، وأبدأ في اكتشاف أشياءً عنهم ربما لم أكن لأتخيلها، وأن أغير طريقتي في رؤيتهم. الأدب هو تحول دائم. وهذا ما أحبه كثيرًا بخصوصه.


قمت باقتباس ذاكرة النص الشكسبيري كرسالة إنجيلية في خلفية "جوزيف أنطون". فما هو تأثير المسرح على حياتك؟

ربما في الوقت نفسه الذي كنت أفكر فيه في أن أصبح كاتبًا، كنت أرغب في أن أصبح ممثلًا. في الجامعة ظننت أنني سأحصل بسرعة على مهنة الفنان الكوميدي وكنت قريبًا جدًا من جميع شركات المسرح في كامبريدج. حسنًا، في نظرة إلى الماضي، أرى أن ذلك كان خطئًا فادحًا سيقع، ومجرد فكرة سيئة!

وجديًا أعتقد أن طريقتي في رسم مشهد، تأثرت كثيرًا بالكتابة الدرامية. عند مشاهدة اللحظة الروائية، في "جوزيف أنطون" مثلًا، حيث أذهب لأول مرة خلال مطار نيويورك! أتى ذلك المزيج من المأساوية والكوميدية على وجه التحديد من ذكريات شكسبير. ولأشرح أكثر: المؤلفون الأنجلوسكسونيون مدينون له بشمعة عرفان. لقد علّمنا أن نقوم بتفكيك السجلات،الأنواع، الانفعالات: القصة قد تكون كل ذلك: قصة رعب ووثيقة سياسية ومأساة وقصة حب وكوميديا!


ما الكتب التي ستختارها لعزلتك في جزيرة صحراوية؟

أعتقد أنني إذا ذهبت إلى جزيرة صحراوية، فسأصطحب معي كتابًا واحدًا فقط. بالطبع سيكون هناك الكثير الذي يجب أن نأخذه. لكن دعني أختر كتابًا واحدًا، بقدر ما هو سميك فهو رائع، لأن من الضروري أن تشغل أيامك جيدًا هناك، وليس أفضل من الهروب عبر الكلمات. لذا وبدون تردد اخترت "ألف ليلة وليلة"! إنه كتاب يحتوي على حكايات كافية لحفظ ألف كتاب في مجلد واحد. ومبدأها هو مقاومة الوقت عبر الحكايات التي تتبع بعضها بعضًا من أجل إبقاء القارئ منشغلًا ومندهشًا، حيث مرارًا وتكرارًا. تحكي شهرزاد قصة من التاريخ لأنها فرصتها الوحيدة للهروب من الموت. إنه في رأيي، جزء من مجازية وجود رجل في جزيرة صحراوية، يكافح مصيره.


وموضع الشعر من ذائقتك؟

أنا أقرأ الشعر يوميًا تقريبًا. الشعر يحفز أي كاتب للنثر على الكتابة، ويذكره بأن عليه أن يعتني باللغة، حتى لو كان من الضروري أيضًا أن يعرف كيف يبتعد عنها أحيانًا. ومن وقت لآخر، عليك أن تكتب جملة مثل: "فجأة يقرع شخص ما على الباب"!




27 مارس 2021

في نادي وجيه غالي..

 من أكثر الكتّاب الذين أصابوني بالحيرة - والحيرة هنا في أدق تعبير شعوري - ترافقاً مع الألم والتعاطف الرحب، مع نبش مفرط من حساسيته للحساسية بداخلي، كان وجيه غالي.. لم أحب القراءة له فقط، أو يرافقني الألم والهشاشة والالتحام الشعوري فيها، بل أصابتي بالحيرة تجاهه وتجاه تلك الكتابة، حيرة لا تخلو من التقدير العاطفي والفني.. انتحر وجيه في ثلاثينياته لينهي مسيرة أدبية واعدة بعد رواية واحدة (بكتابة في غاية الجمال)، تماماً مثلما فعل رجاء عليش الذي ترك رواية واحدة وانتحر، تقرأ له فتشعر بأن الموت غيّب كاتباً ليس عادياً لو أنه استمر بالحياة لكانت هناك حيوات أخرى لنا نحن داخل كتاباته فوق العادية. لكن رجلاً بكل تلك الحساسية التي لا تخفى على من يتحسس شيئاً من روحه في كتابته ليس غريباً بأن تقوده عاطفته نحو لحظات من الرغبة في رحيل أو غياب طويل حد التلاشي. لو أن وجيه لم ينتحر في ثلاثينياته ويمنح نفسه سريعاً للموت.. فقط لو أنه! 

فكرت في وجيه غالي كثيراً اليوم، تزامناً مع حصولي على نسخة من يومياته التي صدرت مؤخراً لأشرع في قراءتها، وهي الكتاب الثالث في جزئين من إرثه القصير بعد رواية واحدة في حياته ومجموعة مجمعة بعد موته.. كانت لوجيه عيوبه البشرية وله حظه من التساؤلات حوله، كما يبدو جلياً في اضطراباته وغموض حياته وعلاقاته النسائية المتعددة وانتماءاته المتضاربة وحتى موقفه الانحيازي الموتر من دولة اسرائيل والذي ألقى بالعديد من الشكوك والملام حول شخصه ومعتقداته وأفكاره. لكن بعيداً عن كل ذلك وما خلفه من حقائق غير مفهومة، كان ذلك الرجل من أكثر الكتاب الذين أحببت القراءة لهم والذي لو عاش أطول قليلاً لصارت كتاباته ربما محطة في دراسات أدبية كما يليق بها. أعتقد بأنه في قرارة نفسه كان وجيه غالي بلا شك رجل فذ الحساسية، ربما قادته عاطفته نحو حتفه بطريقة ما في لحظة ما بكل هشاشتها، لا أعلم. لكنها دفعته نحو غياب تام، عن عالم تقود فيه العواطف أصحابها من البشر نحو حتفهم كل يوم ولكن بأشكال أخرى وهم على قيد الحياة.

16 سبتمبر 2020

(الحرب على مائدة الشعر)

 موضوع مقال مشارك في عدد "الحرب" رقم 27 لمايو 2020 من مجلة (فنون)

____




"هبطت على تربة جديدة كظهور لهجة غليظة/ 

كقماش متيبس، وابتسامة يائسة/ 

على استعداد للتأقلم، والعمل الجاد/ 

لنسيان الحرب/ 

ونسيان الدم."

بتلك الطريقة نفسها، التي تصف بها الشاعرة وارسان شاير شعورها كناجية من زمن الحرب، بتلك الطريقة يهبط الشعر، على صفحات جديدة من الحياة تسعى لنسيان الحرب، ونسيان الدماء. ولكن، في الوقت ذاته، تتذكر.. لترفض المشهد ذاته وتقاوم تكراره، وتمنع تبرير حروب أخرى. 

كثيرا ما تعبر العالم أسئلة عن تأثير الحرب على الشعر، ترى هل يتأثر الشعر حقا، كما أو نوعا بظروف الحرب؟، وما موقف الشاعر من الحرب عموما؟. ربما دور الشعر لتضميد جراح الحرب ليس ماديًا، لكن يد الشعر لم تزل تربت بإصرار ورفق في آن -وإن لم تضمد- في أثر ما مرت عليه الحروب. فأحيانًا تبدو القصيدة بعد كل عاصفة من العنف في الكون، هي صوت الصراخ الأكثر حساسية في وجهه. وكما لو أن الشعر يصبح أكثر إنسانية وحيوية في أطوار المعاناة، فالحروب التي مر بها الشعراء من بلاد عدة أنتجت شعراً جميلاً غنيًا وحياً.



في سبتمبر 2015، أثارت صورة جثة الطفل السوري "أيلان" البالغ الثالثة من العمر ممدداً على بطنه على رمال شاطئ بودروم جنوب غرب تركيا صدمة حقيقية  لدى نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي ومن ثم على الصفحات الأولى للعديد من الصحف الأوروبية، وطغت موجة تأثر في العالم وأثارت التعاطف والغضب معًا من تقاعس الدول المتقدمة عن مساعدة اللاجئين.

وهنا كان الظهور الأول لكلمات رثاء الشاعرة البريطانية الجنسية والصومالية الأصل "وارسان شاير" التي اختارت أن تنطق بها شعرًا، "عليكم أن تدركوا أنه ما من أحد يضع طفله في قارب/ ما لم يكن الماء أكثر أماناً له من اليابسة"، مرثية ضحايا أزمة تدفق اللاجئين عبر البحر إلى أوروبا وغرق الآلاف منهم، بقصيدة لا تنسى:

"لا أحد يزحف تحت الأسوار/ لا أحد يريد أن ينتهك الحدود/ أو يحصد الشفقة/ لا أحد يختار مخيمات اللاجئين/ أو فجاجة التفتيش الذاتي/ حيث يتألم الجسد/ أو السجن/ إلا لأن السجن أكثر أمنا/ من مدينة تحترق".

بالطبع في أزمنة النزاعات، وبينما تصبح مفردة الشهيد سلعة يروج لها الجميع، كل بطريقته، قد يحاول الشاعر أن ينقي قصيدته من كل ما يمت للعنف ولموت الإنسان بصلة. لكنه مرغما يعود، ارتباك الشعراء أمام الحروب رسم ملامح الكثير من التجارب، دون أن يحاذر أحدهم دخول مفردات القتل للنص. فالشاعرة السورية رشا عمران لا تستطيع إقصاء ذاتها عن الالتحام بموت الشهداء: "كأنني أم الشهيد/ أنزل القبر/ قبله".

هكذا وعلى مدار أزمنة مختلفة من تحسس الحياة تحت وطأة الصراعات البشرية، قام العديد من الشعراء الذين يمثلون شعائر ووجهات نظر مختلفة للغاية، بكتابة ردهم المستمر على الحرب وإرثها. 

"موضوعي هو الحرب، وحسرة الحرب. الشعر كثيرًا ما يكمن في الحسرة" - كتب "ويلفريد أوين" هذه الكلمات في عام 1918، حيث صاغ مقدمته للمجموعة التي لم يعش ليرى نشرها. 

الحرب والموت مفردتان مربكتان دائمًا للشعر، سؤالان مفتوحان للأبد أمامه، وهما معًا في السؤال ذاته الذي طرحته مسبقًا الشاعرة رشا عمران ليطوف حول كلماتها: أين الكتابة من فيض الدم؟.. وعن جدوى تلك الكتابة أمام تدفق الدماء ورصد يوميات الحرب قالت الشاعرة في تصريح لها: "الكتابة لا تغير أي واقع، وسط الموت والحروب، هي تساعد على التجاوز، هي بمثابة علاج للكاتب، وهي فعل مقاومة ضد الموت، مهمة الحروب هي تعميم الموت المادي والنفسي، من لم تقتله الحرب، أصابه عطب نفسي، الكتابة تساعد الكاتب على مقاومة الإحساس بالعطب والموت، هي ربما أيضاً تساعد القارئ، القراءة أيضاً فعل مقاومة".

لهذا تتخلص الشاعرة من صورة موتها في النص: "ليس ثلجاً ما تراكم في وسط الغرفة/ تلك هي أنا/ ملفوفة بمئات الأكفان/ أستعد لصورة/ جماعية".

بينما حين سُئل الشاعر لويس أراجون: لماذا لم تكتب أثناء الحرب؟. أجاب ببساطة: لأن الكتابة مع أو ضد الحرب دعاية لها. فهل الصمت خيار شعري يفرض نفسه أحياناً حين تخرج الإنسانية عن طورها؟. كما في قصيدة للشاعر السوري مروان علي: "في الحرب لا تبحثوا عني/ أنا هنا/ في كرصور/ متمدد على العشب/ تحت شجرة التوت/ أنتظر العائدين.." وهو الشاعر نفسه، المعهود من شعره مرافقة آثار الحرب في وطنه والنبش بين ركامها. والذي كتب عن قسوة الألم الذي تتجاوزه الحياة حول ضحايا الحرب: "المذيعة تقول: صباح الخير/ الجثث الطازجة لا ترد عليها".

فماذا قد يفعل شاعر، تحاصره أهوال الحرب والخراب وصور القتلى والجرحى ومشاهد النازحين عن ديارهم قصراً، سوى أن يضع رأس نصوصه الجديدة في مقبرة جماعية. وفيما يشبه السباق مع الموت يلجأ الشاعر إلى اللقطات الشعرية المختلسة من الحياة، يصنع خلالها مداراً لفعل شعري لاهث، وعبر نصوص لا تتجاوز بضعة أسطر، يحاول من خلالها أن يقتنص المشهد والحالة واللقطة، أن يصل إلى نقطة السكون، قبل أن يسبقه الموت إلى ذلك، في شكل قنبلة وصاروخ، أو سيارة مفخخة.

"وهم يتفقدون قتلى الحرب/ وهم يبحثون عن وجوه أليفة/ في أكوام تلك الجثث/ المجهولة الهوية/ كنت معهم/ كنت بينهم/ أبحث أيضاً عن جثتي". - الشاعرة كاتيا راسم

ما الذي ينقذ الشعر والشاعر من مطحنة هذا الواقع، لا شيء سوى التشبث بإرادة الحياة، بتنفس الأمل، ولو في لقطة حية فرت من بين الركام. على اللغة أن تبقى قدر استطاعتها أعلى من سقف المأساة. الشعر يكره الحرب، والحرب بدورها تتضاءل أمام لغة الشعر، ينكمش ظلها. تصبح في لغة الشعر مجرد شرخ في جدار آيل للسقوط، وعليه أن يقام مجددًا. وعلى الخيال ألا يملك فقط المقدرة على إدراك تفاصيل المشهد، بل أيضاً المقدرة على تخطيه وتجاوزه، وترميم ندوبه، ومحو جلالته أحياناً.

في نصها "تهويدة" ترفع الشاعرة كاتيا راسم سقف لغة الشعر فوق لغة الحرب لتسقطها في غفوة بإمكان العالم أن يتجاوزها: "نامي أيتها الحرب نامي ../ نامي إن أردت في سريري،/ نامي في شِعرٍ كثيرٍ كتبته فيك وعنك/ نامي أيتها الحرب إلى أن يذهب أطفالنا إلى المدارس/ إلى أن يعود آباؤنا المتعبون من المخابز/ نامي إلى أن يلتقي عاشقان في باب توما ويعودان محملين بالوعود/ نامي إلى أن يصل المسافرون إلى وجهاتهم محفوفين بعين الله و دعاء الأمهات/ نامي إن شئتِ في سريري/ نامي أيتها الحرب نامي/ إلى أن يولد كل الأطفال/ إلى أن يكبر كل الأطفال".

لقد انكتب الشعر عن الحروب جيدًا لدرجة أننا نجد أنفسنا نتساءل عن الفائدة حتى من محاولة التحدث بأصوات أخرى. قام ذلك الصوت بتجميع أهوال الحرب بشكل مرئي يحول إرث العنف إلى خلاصة من عاطفة، وهكذا صار شعرهم لا يمكن التغلب عليه.

لكن هذا لم يمنع بعض الشعراء من أن يمجدوا بعض الحروب وإرث حالاتها، أو يبرروها حين تصبح في تصورهم الطريقة الوحيدة لنيل الحرية والعدالة. ذلك ما جعل الشاعر "دي إتش لورنس" يقول عبارته الشهيرة: "الغضب عادل في بعض الأحيان، أما العدالة فليست دائمًا عادلة.".

على النهج نفسه، في العام 1938 شن "أورويل" هجوما على الشاعر الأنجلوأميركي "أودين" بعد أن قرأ له في أحد قصائده بيتا يبرر الاغتيال: "اليوم الزيادة المتعمدة في فرص الموت/ القبول الواعي بالذنب في الاغتيال الضروري". يقول أورويل تحت صدمة هذا المقطع الشعري "تنتج حضاراتنا بأعداد متزايدة نمطين: الشقي والغريب. وهما لا يلتقيان، لكنهما ضروريان، أحدهما للآخر. شخص ما في أوروبا الشرقية يصفي أحد أنصار تروتسكي، وشخص ما في بلومزبري يكتب تبريرا لذلك. المؤكد أن الحياة الآمنة كلياً في بعض العواصم هي السبب الذي جعل التعطش لسفك الدماء ــ سفكها في المكان البعيد ــ شائعاً وسط مثقفيها. ففي وسع السيد أودن أن يكتب عن (القبول بالذنب في الاغتيال الضروري) ربما لأنه لم يقترف جريمة قتل، ربما لم يُقتل أي من أصدقائه، ربما لأنه لم يشاهد جثة قتيل.

"قبل أن يرتكب حرباً/ على العالم أن يعد للعشرة/ لكن ماذا سنفعل بقاتل/ لا يستطيع العد/ إلّا مستعيناً بجثثنا ؟!" - كاتيا راسم

وفي ظل تلك المأساة المتنقلة بين حدود العالم، لا يعرف بعض الناس سوى صورة واحدة يحتفظون بها للماضي والحاضر والغد، إنها صورة الدم وأشلاء الضحايا، التي صارت تسكن الشوارع والبيوت والمخيلة، والشاعر من بين هؤلاء الناس يخزن مأساته.

ومن مأساتها تنطق شاير: "لقد انهرتُ مرات عدة/ إذاً ماذا يخبرك هذا عني عدا عن كوني أعيش في حرب ؟" - "أريد أن أحب/ لكن تنبعث من شَعري رائحة الحرب والهرب والهرب." - "أمضيت أيامًا وليال في بطن شاحنة؛/ لم أخرج منها الشخص نفسه/ أشعر في بعض الأحيان وكأن شخص آخر يرتدي جسدي. -وارسان شاير

في مثل هذا الواقع المأساوي لا يفتعل الشاعر قصائده، ولا يقيم حواجز وفواصل بينها، وبين ما يعيشه ويلمسه ويحسه بالفعل... إنه يكتب بعصب عار، ويلتصق حتى بمساحات الصمت والفراغ الموحش حوله وفي الداخل أيضاً.

في ديوانه الطريق إلى البيت يقول مروان علي: “رحل الجنود، تركوا خلفهم جثتي/ رأيتهم يبتعدون بسرعة/ هم لا يعرفون/ هذه البلاد صغيرة/ كلما ابتعدوا/ اقتربوا من جثتي أكثر”.

في الشعر استطاع الشعراء التماهي من موت من حولهم، ومحاولة كنس غابات من الدماء بكلمات وفيرة، واسترداد صورة الوطن الذي حاولوا انتزاعه منهم، أو الصراخ لحقهم في العودة، مثلما حاولت الشاعرة الإنجليزية نيكيتا جيل في نص غاضب: الوطن حيث كان عليك تعليم أطفالك/ كيفية الركض من رجال/ يرتدون الحرب والدماء./ الوطن كان ملجأك/ والآن،/ بعدما - بقسوة - انتزعوه منك/ يسمونك لاجئًا."

الحرب لدى الشاعر لا تزال سؤال لاهث، ومفتوح بطول الأبد، لا يعرف من أي قبر يمكن أن يلتمس الإجابة، ربما ليؤكد أن الحياة يمكن أن تنهض من جديد من بين الخراب، لكنه يحفر جزء من طريقه عبر الشعر.

يؤكد الشعر على ذلك أيضًا، حين يُكتَب في نص مروان علي: "وأنا أفتح النافذة/ أرى شجرةً وحرباً/ تبقى الأشجار/ وتغادر الحروب/ إلى الكتب".








3 مارس 2020

(قوة الإدمان على القصص) / نشرت في الصباح الثقافي

مهارات "الحيوان الحكّاء": أسئلة لـ (جوناثان غوتشل) حول قوة القصة

حوار: دانييل بينك / ترجمة: أسماء حسين

__

*هل سمعت تلك القصة حول.. ؟


هناك احتمالات، أنك بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى هذا المنشور، كنت قد سمعت بالفعل عشرات القصص خلال يومك. وقبل الذهاب إلى النوم، ستواجه العشرات كذلك. وقد ترغب في بعض هذه القصص بعمق بحيث ستدفع مقابلها.

كنوع، نحن مدمنون على القصص. لكن لماذا؟

يعود اهتمامي بقوة القصص إلى فترة طويلة، لذا بالطبع كان لدي بعض الأسئلة لجوناثان حول ما تعلمه بشأن هذا الموضوع:


*يمكنك تقديم حالة مقنعة للغاية تخدم إدماننا - متعدد النطاق - للقصص. ومع ذلك، فإن الكثير من الوقت الذي نقضيه في مطالعة القصص، سواء عبر قراءة الروايات، أو مشاهدة الأفلام والتلفزيون، أو ألعاب الفيديو، أو أحلام اليقظة، توصف بأنها "صيغة هروب" أو "إهدار وقت ثمين". هل يمكنك تفسير تلك المفارقة؟


نحن نحب القصص. نحن مفتونون للغاية بالصراعات الخيالية للأشخاص الخيالية.

لكن ذلك الحب يمتزج مع القليل من التزمت: إذا كان الوضع جيدًا، فلا يكون جيدًا تمامًا بالنسبة لنا. لذا، لعدة قرون، لم نشعر بالقلق من أن القصص تهدر وقتنا فحسب، بل والأسوأ من ذلك أنها تعزز الكسل والفساد الأخلاقي لدينا. أعتقد أن هذا القلق في غير محله.

يتناول كتابي كيف أن القصص - من الخيال التقليدي إلى أحلام اليقظة - تعد من العناصر الغذائية الأساسية والصحية للخيال البشري.

تساعدنا القصص في المران على معضلات الحياة الكبيرة، وتجلب النظام إلى فوضوية التجربة، وتساعد على توحيد المجتمعات حول قيم مشتركة. ينبغي ألا نشعر بأي ذنب بشأن وقتنا في عالم القصة.


*كما تقول في كتابك، فإن رواية القصص تتخلل عالم الأعمال - فدعاية المبيعات عبارة عن قصة قصيرة جدًا، والعرض التقديمي هو قصة أطول، وبالطبع نروي قصصًا محفزة لبعضنا البعض طوال الوقت في محل العمل.

هل تعتقد أن الأمر كان دائمًا كذلك؟ هل كان للأعمال والتجارة دائمًا نزعة روائية؟ وهل من شأن ذلك أن يتغير؟


هناك نموذجان أساسيان للطبيعة البشرية في عالم الأعمال.

يفترض نموذج "العقل الحداثي" أن النفوذ البشري - متمثلًا في الحكمة والذكاء - هو الذي يميز جنسنا حقًا. استنادًا إلى هذا النموذج، فإن أفضل طريقة لتحقيق أهداف العمل هي تحطيم الأرقام وإرساء الحقائق وانتظار الجهات الفاعلة العقلانية لتحتشد على وجهة نظرك. هذا هو النموذج التقليدي. لكن نموذجًا جديدًا للطبيعة البشرية آخذ في الظهور استكمالًا للنموذج التقليدي وليس بدلًا عنه. هذا ما أسميه نموذج "الخيال الحداثي" - أو "الإنسان الخيالي" - للطبيعة البشرية.

يعترف هذا النموذج بأن البشر مخلوقات عاطفية بقدر ما هي منطقية، وأن الحقائق والحجج تؤثر بنا أكثر عندما تندمج في قصص جيدة. حيث كان الكهنة والسياسيون والمعلمون في العالم يعرفون ذلك دائمًا بالغريزة، وكذلك عرفه مسوقو العالم.

الأمر المختلف الآن هو الذهاب بسرد القصص إلى ما هو أبعد من التسويق، وإلى جميع قطاعات عالم الأعمال التي تنطوي على التواصل والإقناع. وعلى هذا النحو، يُنظر بشكل متزايد إلى رواية القصص على أنها مهارة أعمال أساسية.


*هذا يبدو منطقيًا. في الواقع، أنت تصف الإعلانات التجارية على أنها "قصص قصيرة مدتها نصف دقيقة"، وتشير إلى إعلانات "جاك لينك للحوم البقر" كمثال: "هم لا يقولون شيئًا عن المنتج، بالمناسبة. إنهم فقط يروون قصصًا عن رجال محبين للحوم البقر يضايقون بسخافة شخصًا غريبًا بريئًا ويربحون نزالًا عنيفًا". لا شيء عن المنتج؟ كيف يجري هذا؟


تخيل أنك مسوِّق لمنتج لحوم بقرية يحاول أن يأخذ علامته التجارية المجهولة نسبيًا إلى القمة. ماذا يمكنك أن تقول عن منتجك لتمييزه عن الماركات الأخرى للحوم البقر المجففة والمملحة؟ يمكنك الادعاء بأن المنتج الخاص بك لذيذ جدًا أو صحي، ولكن هذا لن يثير أحدًا. لذا قرر "جاك لينك" أن يروي أروع وأطرف القصص بقدر ما يمكن، مع ظهور منتجهم في القصص فقط في وضع منتج مستخدم - بنفس الطريقة التي يمكن أن يظهر بها الفحم في مسرحية هزلية. تلك المحاولة لإنشاء اتصال عاطفي إيجابي مع المستهلكين حققت نجاحًا لوقت طويل. فقد أحب الناس الإعلانات التجارية لدرجة أنها خرجت عن مسارها لتصل مشاهدتها إلى ملايين المرات على قنوات يوتيوب ومشاركتها عبر الشبكات الاجتماعية. ونتيجة لذلك، أصبح "جاك لينك" الآن علامة تجارية يعرفها أغلبهم ويفكرون بشأنها إيجابيًا.


*ما الشيء المحدد الذي يمكن للقراء القيام به - خلال اليوم - لترجمة ما تعلمته عن قوة القصص إلى أفعال وسلوكيات في حياتهم؟


أود أن يأخذ القراء لحظة المضي قدمًا (افعلها الآن) للتعجب من دور القصة في الحياة البشرية - بدءًا من الأحلام، إلى برامج الواقع، والأساطير الحضارية، والأديان، وأغاني البوب، وسير الحياة التي تحدد هوياتنا الشخصية. بالنسبة للبشر، فالقصة تشبه الجاذبية - إنها تلك القوة الجبارة والشاملة التي بالكاد نلاحظها لأننا معتادون عليها. لكن الجاذبية تؤثر علينا طوال الوقت، والقصة أيضًا.

يعتقد معظمنا أن وقتنا في مقاطعات عالم القصة لا يشكلنا أو يغيرنا. لكن الأبحاث توضح أن القصة تشكل الإنسانية على المستويات التاريخية والثقافية والشخصية.

القصة ليست زمنًا مهدرًا في حياة الإنسان - أو شيء نفعله فقط من أجل الانطباعات. القصة أداة قوية للغاية. ومن خلال تثقيف أنفسنا قصصيًا، يمكننا استخدامها لمعرفة مكامن القوة في حياتنا الخاصة.

6 فبراير 2020

 المسألة في الحب.. ليس فقط أنه يجعل الإنسان سعيدًا. هذا تبسيط مُضلل.. الحقيقة أن الحب ينهي كل أسئلة الإنسان تجاه نفسه. القلق بشأن الحياة والروح. انعدام الثّقة بالآخرين وحتى النّفس. النظرة المرتبكة للذات.. العلاقة المرتبكة مع الجسد.. الخ. كل حُفر الرّوح المؤلمة هذه في الحياة، يردمها الحب كأن لم تكن. يردمها ويجعل أرضية القلب خضراء ومطمئنة وجاهزة لإستقبال أيّ سعادة.. فترى العاشق يفرحه أي شيء بسيط، غير مفرح بالضرورة، ولو زقزقة عصفور أو لعب طفل أو حتى الفراغ.. يفرحه الفراغ

لذلك، عندما تجول بقلب إنسان بدعوى الحب.. وتدخله تلك الجنة الوهمية ثم تُخرجه منها فجأة أو تجرحه داخلها. فالموضوع أكبر من حُزن عابرٍ، هو لا يصبح حزينًا. هذا أيضا تبسيط مُخل! ما يحدث حقيقة أن كل الحفر القديمة في نفسه تعود لتظهر مرة أخرى ومضخمة عشرات المرات هذه المرة! وكل مخاوفه من العالم وناسه كذلك. لأن واحة طمأنينته ذاتها أخرجت وجهًا آخر للخوف، يعود قلقه من العالم وعدم ثقته بالآخرين، ونظرته المرتبكة لنفسه وشعوره بعدم كفايته. وخوفه من الحب. وأسئلته التي تؤلمه. كل هذا يعود وبزخمٍ أكبر. وألم أكبر.

الحياة.. كل الحياة.. تدور حول أن يُحبّك شخص واحد فقط. وتحبه هو فقط. تكتفي به ويكتفي بك. تعتني به ويعتني بك. تمنحه منك ما يمنحك منه، دون مقارنة بغيركما من العالم، لذلك لو لم تكن ترى في الشخص المُقابل اختيارًا مُناسبا وواحدًا وكافيًا، وتشعره بذلك بكل عدالة وطمأنينة الحب.. فكل ما يحدث هو أنك تجرحه وتجدد مخاوفه وتعبث بقلبه بلا عدالة.

* كتابة جميلة أحببتها لـ ديك الجن، مع تصرف شخصي بسيط

16 يناير 2020

مما جال في ذهن إلياس كانيتي 1905-1994 .


(ترجمة)


  • سيء إلى درجة أن أذنه تخشى لسانه .
  • غالبا ما يثقل عليه ظله .
  • النجاح هو الجزء الأصغر من التجربة .
  • لقد احتفظ باحترام عميق لكبار السن فهو يحب فيهم كل السنوات التي لم يعشها بنفسه , وهو كلف بالأطفال لأنهم يعدونه بكل السنوات التي لن يعيشها .
  • لعمري كم تبدو الأمور مقنعة للذي لا يعرف إلا القليل .
  • الميت يأخذ العالم معه . إلى أين ؟
  • هناك شيء محزن في الحقيقة العارية لكني لست خياطا , وبدلا من أن ألبسها ثيابا أفضل البقاء حزينا .
  • من الصعب كشف حقيقة الآخرين والبقاء سليما في آن .
  • يجب الاختيار بين الحب والعدالة , لكني عاجز عن ذلك فأنا أريد الاثنين .
  • إن الأشياء الحقيقية التي أحكيها عن نفسي هي التي تبدو لي مثل أكاذيب .
  • من المستحيل تقريبا معرفة شخص بالقدر الذي يسمح باحترامه دائما , فغالبا ما نكون غير عارفين كثيرا به , وأحيانا عارفين به أكثر من اللازم , ومن يستطيع أن يمسك في معرفته بالناس بالنقطة الصحيحة , سيجد سندا فيهم .
  • مأساة الأخلاق , تعرف كل شيء ولذلك لا تجرب شيئا .
  • لما يشعر بيأس كبير, يتوجب عليه أن يواسي أحدهم ليشعر فجأة بالمواساة .
  • لا تترك أحدا يفرض عليك الأمل .
  • لا يعرفون الآخرين إلا كموضوع للشتائم .
  • الإصغاء لشخص طيلة ساعات بنية مبيتة في عدم الاستجابة له , تتركه يتكلم لينقذ حياته ( حين تكون آمنا مرتاحا وفي عز مجدك ) هل هناك ما هو أحقر من ذلك ؟
  • كل هذا الشر الذي تنسبه إلى أفكار الآخرين : من أين لك به ؟
  • منظرو نجاحهم مملون حتى الموت , عليهم أن يثبتوا بأن النجاحات مبررة , لكن لا شيء أكثر زيفا من ذلك .
  • مالا نستطيع معرفته عن الحيوانات : كيف تنظر إلينا ؟
  • الأسوأ ليس أن تكون شيئا ما ولكن أن تلتصق بذلك إلى الأبد .

                                                                   | إلياس كانيتي

7 سبتمبر 2019

لنمرر الصلصة


بالطبع ثمة شيء مريب بشأن وصف مشاعر الآخرين. تحاول جاهدًا أن تكون دقيقًا، ولكن بمجرد أن تبدأ في تحديد هذا الشعور أو ذاك، تخذلك اللغة. قد تصير حقًا آلة لصنع الأكاذيب. فحين يتعلق الأمر فعليًا بالحقيقة، تكون الكلمات غير كافية. وتقريبًا كل شيء، فيما عدا أشياء مثل “مرر الصلصة” يحمل كذبة من نوع ما. ونظرًا لما عليه الحال، ينبغي أن أصمت. أوه، و.. لتمرر الصلصة.

- ايريس مردوخ / ترجمة: أسما حسين

21 يوليو 2019

جسد المرأة والخط الفاصل بين الرسم وإعادة التشكيل


في المساحة التشكيلية وبعكس الرسم تتعدد أساليب الفنانين عندما تلتقط أعينهم مظاهر التكوين البصري في الطبيعة، بالطبع يلتقون في قاسم مشترك هو الجمال، لكن الأمر يتحول إلى مشاعر ورؤى فردية تجاه ذلك الشكل أو المنظر.






 يشكل جسد المرأة على الدوام مادة رئيسية في أعمال الفنانين التشكيليين، طالما عكست طرق وأشكال تناوله وتصويره المختلفة اختلاف نظرة وأسلوب كل فنان عن الآخر، وأبرزت تنوع المدارس التشكيلية المختلفة، ورسخت في الذهن مفهوم الفن التشكيلي، كفن يتجاوز نسخ ما تراه العين إلى منطقة أكثر اتساعًا، تتعلق أكثر بإعمال الخيال في إعادة تشكيل ما تراه العين، ووضعه في سياقات مختلفة كليًا عن سياقاته المنطقية.
وتندرج الفنون كلها، بكل تنويعاتها وفروعها وتقسيماتها وفقًا للمذاهب المستحدثة والدراسات الإنسانية بمختلف جوانبها الفلسفية والنظرية والتطبيقية، تحت أحد أربعة أقسام رئيسية هي الفنون البصرية والموسيقية وفنون العمارة وفنون اللغة. في مقدمة الفنون البصرية يأتي الفن التشكيلي، وهو فن يختلف كليًا عن فن الرسم.
يمكن الاستدلال على الخط الفاصل بين الرسم والفن التشكيلي بالعودة إلى التنوع والتباين في تجسيد المرأة، فمثلًا تختلف المرأة في الحركة السيريالية والتي يمكن أخذ أعمال دالي للصورة الأنثوية كنموذج لها، عن امرأة بيكاسو التي تتفكك ملامحها تمامًا ويعاد صياغتها في اللوحة التكعيبية، والمرأتان تختلفان عن امرأة مودلياني أو دافنشي، وكل تلك النسخ تقف على مسافة بعيدة من نموذج الرسم البسيط المحدد الذي ينقل شكل امرأة كما هو دون أي تغيير.
بحلول عام 1928 اتجه سلفادور دالي إلى أسلوب أكثر تجريدًا في تصوير المرأة حيث بدأت النساء في لوحاته تتخذ تحولات وانشقاقات سيريالية محيرة، تختلف جذريًا عن الفترة التي سبقتها، عندما كانت شقيته أنا ماريا نموذجًا بارزًا لأعماله كما يصورها مثلًا في لوحه "ظهر فتاة" التي رسمها عام 1926.
ثم يختلف تناول دالي للإناث خلال الفترة السريالية، حيث يصير في بعض الأحيان مشبعًا بالإثارة الجنسية المزعجة، أو يستحضر تفاسير الأمومة و"الأنوثة الأبدية" استنادًا إلى الشخصيات الأسطورية.
وفي منتصف مشواره الفني، يتناول دالي الشخصيات النسائية فنيًا على أنها أداة للأقدار. تصبح صورة المرأة الطيفية المقدسة موضوعًا للهوس وتحرير القوى المكبوتة من الرغبة اللاواعية لديه. ثم تظهر زوجته جالا التي أصبحت نموذجه الحصري وسط تلك المرحلة، كنموذج جامع لكل السمات الطاغية في منظوره للنساء.


ظهر فتاة - سلفادور دالي - 1926
في تجربة تشكيلية أخرى كانت المرأة مادة لبيكاسو في مراحل فنية مختلفة، حيث ظهرت في أكثر من 60 لوحة شخصية حميمة وألهمت بعض فتراته التكعيبية بقوة. في البداية كانت رسوماته تخطيطية، مثل اسكتش بعنوان "رأس امرأة" لحبيبته فرناند أوليفر، ويوصف هذا المسار بأنه ذو طابع أكاديمي أكثر من كونه تشكيليًا، وهو ما يتماشى مع أعماله خلال الفترة من 1904 - 1906.


اسكتش لفرناند أوليفر - بيكاسو
ويتجلى التطور التشكيلي للفنان والفارق الانتقالي من مرحلة الرسم للتشكيل عند العودة لبيكاسو مجددًا في المرحلة التكعيبية، بعد التطور التشكيلي للصورة الفنية الخاصة به، تأتي لوحة المرأة الباكية من تلك المرحلة في صورة تشكيلية مثيرة للتأويل والتأمل.
في هذه اللوحة يذيقك بيكاسو بؤس الحرب الأهلية الإسبانية كاملًا من خلال نمط التعقيد والتداخل والتكسير التكعيبي الذي ما كان إلا محاولة عفوية منه كي يجعلك تجد طعم ملح دموع هذه المرأة، فمثل العيون الباكية بزورقين يسبحان في بحر دمع جار ويكادان يغرقان من شدة الدفق حتى خلت عيناها من أثر التدفق.
ثم يمتص بيكاسو الألوان من فم المرأة وأسنانها ليبقي على اللون الأزرق كناية عن بحيرة أفرغت بها ما حررته. ثم راح بيكاسو بكل شغبه الفني يمثل الدمع كخرمشات تترك علامات على وجهها الباكي، ورسم سبب هذه الخرمشات، أي أصابعها، بطفولية محضة مع أظافر تفتقر للثقة قضمت المنديل من شدة الألم، مستخدمًا زواياه الحادة ومثلثاته للتعبير عن حدة شعور الأسى في هذا المشهد.
هذا التحطيم و التكسير للمفردات وإعادة صياغتها من جديد في قالب من الاستعارات والكنايات التي تشبه تلك التي تخلقها اللغة في نصوص من الشعر ومفردات الأدب صالحة للقراءة والتطويع، ما منح بيكاسو التفرد في لوحته التي حافظ في خلفيتها على خطوط مستقيمة ليركز المتأمل على مثلثاته المتكسرة حزنا على وجه امرأته الباكية.


المرأة الباكية - بيكاسو - 1937
من الرائع أن ننظر إلى كيفية تصوير بيكاسو للمرأة خلال حياته وكيف كان يمثلها في مراحل مختلفة، وكيف تعكس تطورات نسختها الفنية مسيرته وحياته الشخصية. حيث كل شيء حوله يبدو مترابطا مع أبطال لوحته ومطورًا لنظرته التشكيلية.

فوارق مفاهيمية

في الواقع العملي هناك فارق مفاهيمي وتطبيقي كبير بين الرسم والتشكيل، برغم أن كلا النموذجين (الرسام والفنان) لهما نفس القيمة ظاهريًا. بينما يختلف مفهوم التشكيل عن الرسم داخل اللوحة.
فالرسم هو أن يقوم الرسام بنقل الواقع كما هو موجود في المقابل، دون إدخال أي إضافات إليه، ويستخدم لونا واحدا فقط أو عدة ألوان محاكية للمقابل، ولا يهم اللون أو مدلوله سواء أكان أحمرَ أو أزرقَ أو أخضرَ.. إلخ. يمكن اكتسابه وإدراك قواعده بالمران والممارسة المنتظمة. وهذا ما يسمى الرسم. الرسم يمكن تعليمه بخطوات أكاديمية يتبعها الشخص وتختلف المهارة من شخص لآخر، لكن الفن التشكيلي لا يُعلَّم، ويتخطى الموهبة وحدها. إنه أشبه بالمسّ والاكتشاف. لذلك تختلف أعمال الشخص الموهوب عن ذلك الممسوس بلمسة فارقة، عن ثالثهم الذي يتقن القواعد فقط.
وعليه فإن الرسم يختلف عن فن التشكيل. 
وتأتي ما سميت بالمرحلة الزرقاء في حياة بيكاسو، كإحدى المراحل الفنية التي مثلت الرسم منفصلًا عن التشكيل في حياة أحد أهم الفنانين. استمرت هذه المرحلة لست سنوات، رسم خلالها العديد من اللوحات، نقل خلالها صورته عن واقع مقابل، وهنا أطلق اسم الرسم عليها، إضافة لاستخدام بيكاسو لونًا واحدًا؛ الأزرق ومشتقاته.
يختلف ذلك كليًا عن الفن التشكيلي واسع النطاق، حيث يمكن أخذ كل شيء من أرض الواقع وإعادة صياغته وتقديمه بشكل جديد وحر، قامته مستوحاة من فكرة جديدة، تشكيل أو تجسيد لشيء معيّن. الفنان التشكيلي هو الذي يحترف هذا الفن ويبدع فيه، ويقوم بأخذ التفاصيل المستوحاة من الواقع الذي يعيشه والمحيط الذي يمر بهِ وينقلها بصورة لا تلزم التطابق وبطريقة رؤيتهِ للأمر والمنهجيّة التي يتبعها ويصيغها بفكرة فريدة يجعلها مميزة عن غيرها من ملموسات الأصل، ولا يعقل تطوير القديم قبل إتقانه.
من الضروري بالنسبة للفنان التشكيلي أن يتقن في بداية حياته الفنية أدوات الرسم أولاً بشكل جيد، ثم يبدع فيه، ثم يغير ويضيف بعد ذلك كما يشاء، وهذا ما يشبه مقولة بيكاسو "اتقن قواعد الفن كمحترف حتى تكسره كفنان".
وقد لا تكون التسمية ضرورية للعمل التشكيلي أحيانًا، لكنه غالبًا يريد إيصال فكرة معينة داخل الفنان، أو انطباع حسي وبصري عما يقوم بالتعبير عنه أو بنقله تشكيليًا. فكما اللغة هي نتاج حي لما بداخل من ينتجها، تصير الصورة هي لغة الفنان البصرية التي تخرج محملة بالمفاهيم من داخله. وتصير البصمة التشكيلية هوية مضافة لصاحبها.

الصورة التشكيلية وتكوين الهويّة

في المساحة التشكيلية وبعكس الرسم تتعدد أساليب الفنانين عندما تلتقط أعينهم مظاهر التكوين البصري في الطبيعة، بالطبع يلتقون في قاسم مشترك هو الجمال، لكن الأمر يتحول إلى مشاعر ورؤى فردية تجاه ذلك الشكل أو المنظر، مثلما حدث أيضًا مع الزهور.
من الفنانين التشكيليين من أعاد تقديم الزهور بحرفية وحساسية طبقا للأصل، ومنهم من سخر أسلوبه الفني وطوعه لإبراز جماليات الشكل دون الاعتماد على الأصل، وإنما التقاطه كعنصر ليعيد صياغته وتوظيفه على اللوحة. ثم أطلق العنان لمحيطه.
أمام لغة الطبيعة وصورة الزهرة، يلاحظ أن بيكاسو رسم المزهرية بأسلوبه التكعيبي محطما بهذا التكوين كل القيم الفنية الأساسية في بناء اللوحة وهو الأسلوب الذي عرف به في كل لوحاته، لكنه أخرج اللوحة للمتلقي بملامح مختلفة تحمل الإحساس الآخر والجمال الفريد في التكوين دون مطابقة للواقع.


مزهرية الزهور - بيكاسو - 1969
أما دالي فقد أخذها كما لو كانت حلما موازيا كما هي لوحاته المعروفة التي يعتمد فيها على تطرف الخيال المطلق، فوضع الوردة بكل جمالها في وضع غير مألوف بأن جعلها تسبح في الفضاء بين الأرض والسماء، في استيعاب بصري يحمل معاني كثيرة قد يكون منها سمو مكانتها في نفسه، مركزا على تفاصيلها وحدها ومهملا تفاصيل ما يقع على الأرض من منازل وخلافها.
شاعرية دالي المشبعة بالتطرف لا تتوقف عند حد، ولا يترك للمتلقي سهولة تفسير المعنى أو أن يمر مرور الكرام على اللوحة دون أن يتعمق ويبحث ويطرح التساؤلات، فنان غامض في أبعاد فكرة اللوحة صريح وصادق في التعامل مع دقة تنفيذها، لا يرتجل بقدر ما يحترم إمضاءه على اللوحة عند قناعته بها.


زهرة التأمل - سلفادور دالي - 1958
ثم يأتي الفنان فان جوخ بمزهريته الشهيرة زهور دوار الشمس التي كانت ولا زالت محط أنظار العالم بمزاجية ألوانها الذهبية الفاتنة التي أخذت مساحة واسعة من الاهتمام وروي عنها الكثير من الروايات، وعلاقتها بالموروث الصيني وما حظيت به من أسعار خيالية جعلت للمتاحف التي تقتنيها أهمية كبرى كما كانت مصدر كسب كبير لتجار الفنون.


مزهرية زهور عباد الشمس - فان جوخ - 1888
هذا التنوع في التعبير والطرح لا يمكن أن يلغي جمال صورة الزهور أو العناصر بذاتها في واقعها الأصلي، بقدر ما يمنحها الأهمية البصرية من رؤية جديدة وزاوية جديدة، خصوصا إذا كان من قام بتوظيفها هو أحد أهل التشكيل ورواده.


منشور أيضًا في: المنصة

7 مايو 2019

عن الكاتب القنفذ والكاتب الثعلب



 كتبت ماريا بوبوفا
ترجمة: أسماء حسين

حدد عزرا باوند من قبل ستة أنواع من الشخصيات الأدبية. بينما أدرجت سوزان سونتاغ أربعة صور لما يجب أن يكون عليه الكاتب العظيم. بالنسبة لإيتالو كالفينو، كل كاتب يصنف واحدًا من اثنين وفقًا لأنواع الكتابة. 

من كتاب إيتالو كالفينو: الرسائل، الصادر خلال 1941-1985 –نفس المرجع الذي أتاح مشورات كالفينو حول الكتابة، تأملاته القديمة حول الإخفاق وجوهر الحياة، أفكاره حول أمريكا، كيفية إثبات النفس، وكيفية خفض “القابلية للقلق” – يأتي تصنيف الكاتب الشهير للمزاجات الكتابية.


 وفي رده على الناقد الأدبي “جيدو آلمانسي” في عام 1978 تعليقًا على مقالة كتبها “إيسياه برلين” بعنوان “الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئًا واحدًا كبيرًا” معتمدًا في عنوانه على بيت منسوب إلى الشاعـر الإغريقي آركيلوكوس – كتب كالفينو البالغ من العمر 55 عاما:

 “ثنائية الثعلب-القنفذ من شأنها أن تقودني إلى تصنيفات مختلفة تمامًا عن خاصتكم. إذا كان القنفذ هو الكاتب الذي لديه نسق مفاهيم موحد نمطي مستقر لا يتزعزع، في حين أن الثعلب مرنًا يطوع استراتيجيته متكيفًا مع الظروف، يكون “الروائي والصحفي الإيطالي ألبرتو مورافيا” على سبيل المثال هو قنفذ حيث يتسق عن كثب مع نفسه أيا كان ما يكتبه، سواء من حيث حالته الشِعرية أو رؤيته للعالم. في حين أنني أغير طريقتي ومجالي ومرجعيتي من كتاب إلى كتاب لأنني لا يمكن أبدًا أن أفكر في نفس الشيء مرتين على التوالي، لذلك أنا ثعلب، على الرغم من أنني أحلم بأن أصير قنفذًا في كل أحلامي، وعلى الرغم من أنني أحاول كتابة أدب القنفذ وهذا إن كنت تأخذ كل عمل منهم على حدة.
بينما “المخرج والكاتب والشاعر باولو باسوليني” هو ثعلب، نعم، لأنه يتبنى استراتيجيات مرنة مختلفة للكتابة، (روايات واقعية مكتوبة باللهجة الدارجة وقصائد تحمل روح البلاغة الكلاسيكية)، لكنه أيضًا قنفذ (وليس ثعلبًا خالصًا)، لأنه في كل تجسيداته المختلفة لعالمه من المفاهيم يكتب من جوهره الأساسي وغير القابل للتغيير.

ويبدو لي أن تصنيفك يميل بهذا إلى التأرجح على طول محور الانبساط والانطواء، وفي رأيي هذا خارج عن فكرة التصنيف.” 

مشيرًا إلى أن تصنيف الشعراء يشكل تحديًا من نوع خاص، يضيف كالفينو أن ثنائية الثعلب-القنفذ لا تصلح مع جميع الخلفيات الأدبية، وخاصة بالنسبة للأدب الإيطالي في ذلك الوقت: 

أقع تحت إغراء تعريف “القنفذية” بأنها محدودية النسق المستخدم للكتابة، (والتي يمكنها أيضًا أن تكون قوة، لأنها تعكس انغماسًا في طبيعة المرء الخاصة)، والنظر إلى التجريب باعتباره مثال على “الثعلبية”، (والتي يمكنها أن تكون مدفوعة بقلق خطير).
 ولكن ربما تلك ليست هي الطريقة المناسبة لفهم نظرية برلين – حيث يصلح تصنيفه للكلاسيكيات العظيمة، ولتعريف فئات الإبداع وليس وضع حدوده. وعليه:

 القنفذ يجب أن يعرف “شيئًا واحدًا كبيرًا”..
والثعلب يأتي تصنيفه وفق التنوع الشكسبيري في النظر للعالم.”


 المرجع: إيتالو كالفينو: الرسائل، 1941-1985، لمحة حميمة عن أحد أكثر العقول البارزة في التاريخ الإبداعي

نشرت في:
-
http://www.takweeen.com/?p=9874
-
https://takweenkw.com/blog/1608/single

4 مايو 2019

الكاتب مصنع ذكريات




الكتابة ليست بمعزل عن رمي الأشياء، فهي تشمل التصريف والفقد، تشمل الدفع بعيدًا عن نفسي إلى كومة من الورق المليء بالكتابة. لم يعد أي من الأشياء ملكًا لي لكنه خرج مني.. هجرني، كل ما تبقي لي وما أمتلكه هو صفحات من الكتابة المهمشة بملاحظات متناثرة. والباقية – ربما – لزمن أطول مني.

كتبت في السنوات الاخيرة مذكرة تحت عنوان “الكواليس الحميمة للكتابة” ملخص داخلها معظم الأفكار التي تتجمع في ذهني والتي خططت لكتابتها بالتفصيل : فكرة تنقية الخبث، الرمي كامل الخصائص، جحيم عالم لا يُرمي فيه شيء، المرء هو ما لا يرميه، هوية الأسرار، التخفف كأسلوب حياة، القمامة كسيرة ذاتية، القناعة في الاستهلاك العاطفي، فكرة المادة، عن البداية من ثانية، عالم الزراعة، الطبخ والكتابة، سيرة حياة النفايات، التحويل للحفظ في الذاكرة الخلفية.

وغيرها من الملاحظات العابرة التي لا أستطيع بعد التفكير بربطها وتنظيمها وكتابتها تفصيلًا. إلى جانب: فكرة الذاكرة، طرد/فلترة الذاكرة، فقدان الذاكرة، صيانة وفقدان ما قد فقد، مالم يمتلكه المرء أبدًا، مالذي امتلكه المرء متأخرًا جدًا، ماذا نحمل معنا من الماضي، ما الذي ليس لنا، العيش دون ماضٍ، (الحيوان) : ربما يحمل الإنسان أكثر منا، العيش من أجل العمل الإبداعي الذي ينتجه المرء للعالم، الكتابة كفقدان طردي للذاكرة واكتساب للوقت، الكتابة تجعلنا نصمد بشكل ما أمام الوقت.
المرء يفقد نفسه هناك، نِعَم لا فائدة منها.
كيف لم أعد هناك.

الكتابة إعادة تدوير للذكريات، الكاتب هو مصنع ذكريات حقيقي متجدد. مصنع مؤقت الإنتاج يريد أن يمدد صلاحية أعماله لتبقى بعد زواله، الكاتب أحيانًا يريد أن يقول: أريد أن أرحل.. وتبقى الكتابة الدالة عليّ في الطريق، كما لو أنني لازلت حيًا وفاعلًا في ذكرياتي.
أحيانًا يطل عليّ الوجه الآخر من سؤال لماذا نكتب.. وهو: ما الجدوى من الكتابة؟
.. ولكن هل لا بد أن يكون للكتابة جدوى؟
 ذات مرة، سألت صحافية الروائي الأرجنتيني بورخيس لماذا تنشر أعمالك؟ فأجابها: “ننشرها حتى لا نبقى طوال حياتنا نصحح المسودات”!
هكذا هو دور الكتابة، ليس لتضميد جراحنا، أو لرتق ثقوبنا.. بل لتذكيرنا بخساراتنا الحميمة، بجروحنا، بهشاشتنا، بعارنا. من ينشر شيئًا عن ذاته يكون كمن يحترق عاريًا على الملأ بكامل إرادته. أو كمن ينشر خساراته الفادحة على حبل من غسيل. الكتابة وحدها تسمح لنا بالاعتراف بحماقاتنا دون أن يحاسبنا عليها أحد.. والكتابة وحدها تتسع لنا، حين يضيق بنا الآخرون. نحن ننشر ذكرياتنا كما هي دون تعديلات تجميلية للنص إذن.. سوى تلك اللغوية أو النحوية منها.

آن لاموت تقول بأن: “الكتابة تقلل من إحساسنا بالعزلة”. الكتابة تعزز من شعورك أنك لست وحدك بل هناك من يتقاسم معك نفس الأفكار وبعض جوانب روحك. تقصي عنك فكرة الوحدة التامة مع هواجسك، بمشاركة بعضها مع الآخرين وأغلبهم من مجهولي الهوية حول العالم. لكنني بإخضاع الفكرة للتدوير بدورها، أخرج بفكرة جديدة منها، أن الكتابة تمنحك شعورًا استثنائيًا بأن هناك من يتقاسم معك ذكرياتك، حتى دون أن يشارك فيها.
نتبادل حكايات عن التجربة والفقد والخسارة والنجاة والخلق كأننا قد مررنا بها معًا. الذكريات هي ما يجمعنا اذن، هي ما نجيد خلقه من العدم ومنحه عمرًا جديدًا، وهي ما يصنعه الكاتب ليبقى.
 الكاتب مصنع ذكريات حي.

نشرت في:
تكوين

28 نوفمبر 2018

الخرس أمام عاطفة..



لطالما أحببت التفكير في طرق كتابة الرسائل العاطفية، وأجيد كتابتها ولو على نحو مبتذل أحيانًا، لكن رسالة هينري ميلر لأناييس أصابتني بالخرس:
"ادخلي فيّ يا أناييس، وابقي هناك للأبد، لا تخرجي مني أبدًا، ولا بمقدار فكرة واحدة."
لطالما كانت رسائل هنري لأناييس هي المفضلة لديّ. لا أعرف كيف ينشغل الناس بكليشيهات رسائل كافكا وسواه التي لا تحمل أدنى صفة حقيقية للحب، ولا تروج سوى لسنتمنتالية الشخص نحو ذاته.. بينما هناك رسائل هنري. هذا رجل أحب حقًا. وجاهر بعاطفته حقًا. وكتب حقًا.

21 يوليو 2018

الشاعر يشبه نفسه..



أؤمن بأن الشاعرَ شاعرٌ في لحظات حياته كلّها؛ فأن يكون المرء شاعرًا يعني أن يكون إنسانًا. أعرف بعض الشعراء ممن لا يمت سلوكهم اليومي بأي صِلة لشعرهم، أي أنهم لا يكونون شعراء إلا حين يكتبون الشعر. ثم ينتهي الأمر وينقلبون من جديد إلى أناسٍ جشعين، مُنْغَمِسين بالملذات، متعسفين، قصار نظر، بائسين، حسودين. فإذن، لا أستطيع تصديق قصائدهم لأني أهتم لوقائع الحياة، فعندما أجد هؤلاء السادة يُرعِدون ويزبِدون- في قصائدهم ومقالاتهم – ينتابني القرف منهم، وأشك في صدقهم، وحينها أقول لنفسي: ربما لم يكن صراخهم هذا إلا من أجل طبق من الأرز الغني أو من أجل جسد أنثى!
 ينطبق الأمر ذاته على العديد من المبدعين والمناضلين والثائرين والمتثقفين وكاتبي المقالات الرنانة والعلماء والرموز. المبدع والمتثقف إما إنسانًا، أو جائعًا شرهًا آخر في طابور طويل من المدعين.

16 مايو 2018

روحانية المشاهد

أحيانا يمكنك أن تستدل على روحانية الشخص من تذوق الفن الذي يميل إليه. هناك تفاصيل لا مرئية مخيفة حتى في الفن.. تشوه ما، يعبر عنه الفنان وإن لم يقصده، يخبئه في تفصيلة دقيقة هنا أو هنا، اكتشافه حدس قد لا يملكه كل فنان. ولكن لن يدركه سوى الفنان وحده. توضع اللوحة أمام أحدهم، وما أن يتحمس تذوقه للتشوه الكامن فيها.. على الفنان وحده أن يفهم ما بداخله.

هناك أشخاص صادفتهم في الحياة، كنت أرى انعكاس الجانب المظلم منهم في جانب من الفن الذي يميلون إليه.. وأثبتت الأيام حدسي فيما بعد. 

وهناك من يرى لوحة ما وينفر منها، برغم كونها لوحة، لا يميل إليها، لنفس ذلك التشوه الذي لا يراه غيره. لأن حدسه لا يقبله.

الآن باستطاعتي أن أخبرك بعد وضع لوحة محددة أمام أحدهم إن كان يحمل تشوهًا ما، ولمس ما يشبهه في اللوحة.

4 مارس 2018

روبي كور - فن أن تكون خاويًا



إخلاء رحم أمي
كان أول تجربة اختفاء لي
تعلُّم التقلص لأجل العائلة
التي تحب فتياتها غير مرئيات
كان تجربتي الثانية.
فن أن تكون خاويًا سهلًا
مجرد أن تصدقهم حين يقولون
بأنك لا شيء.
كررها لنفسك
كأمنية:
أنا لا شيء
أنا لا شيء
لا أُعَد شيئًا في كثير من الأحيان.
السبب الوحيد لإدراكك
بأنك لا تزال على قيد الحياة
يتسلل من الثقل الذي تحمله في صدرك.

*روبي كور - ترجمتي

21 فبراير 2018

أعذار لفشلنا في الحب:




أنا وحيدة، لذلك أقوم بأشياء وحيدة.
حبك كان يشبه الذهاب الى الحرب. لم أعد منه كما كنت أبدًا.
أنت تكره النساء، تمامًا كوالدك وجدك، هذا يجري في دمائك.
ضعت في مرآب قلبك المهجور بحثًا عن طريق الوصول للبيت.
أنت مدينة أشباح، كنت أكثر وطنية من مغادرتها.
بقيت، لأنك بداية حلم أريد أن أتذكره.
لم أناده مجددًا، لأنه يحب فتياته خرساوات.
ليست رغبته أن يكون كاذبًا، لكنه فقط لا يعرف الحقيقة.
لم يعد باستطاعتي أن أحبك، أنت حرب صغيرة.
نحن فقط غطينا رائحة الخسارات بالنكات.
لم أرغب بالفشل في الحب كآبائنا
انت من جعلت الغجرية بداخلي تبني بيتًا وتسكنه
أنا لست كلبًا.
كنا نحاول إثبات أن دمنا على خطأ.
لكني بقيت وحيدة جدًا، لذلك قمت بأشياء أكثر وحدة.
أجل، أفتقد للأمان. لكن أمي كانت كذلك، وجدتي أيضًا.
لا، هو يحبني، هو فقط يجعلني أبكي كثيرًا.
إنه يعرف كل أسراري ولازال يرغب في تقبيلي.
كنت قاسيًا جدًا، أقسى كثيرًا من أن تحب لفترة طويلة..
فقط لم ينجح الأمر معك.
غادر أبي عصر أحد الأيام ولم يعد أبدًا.
لا أستطيع النوم لأني لازلت أشعر بطعمه في فمي.
اقتلعته من جذوره، كان شجرتي المفضلة، لكنها تتعفن، وتهدد أساس بيتي.
تموت النساء في عائلتي، وهن منتظرات
ولأنني لا أريد الموت وأنا أنتظرك
كان علي الرحيل.
شعرت بالوحدة وهو يعانقني.
أنت الأغنية التي ظللت أعيدها مرارًا حتى حفظت كلماتها، وحتى مرضت منها.
أرسل لي رسالة تقول: "أحبك بعنف".
قلبه لم يكن جميلًا مثل ابتسامته.
لقد تلاعبنا بعواطف أحدنا الآخر حتى ظننا أنه الحب.
اغفر لي، كنت وحيدة لذلك اخترتك.
أنا عاشقة بلا حبيب.
أنا جميلة، ومهجورة.
أنا أنتمي بعمق إلى نفسي فقط.

*وارسان شاير - ترجمتي

17 فبراير 2018

رافاييل نوبوا - مت أنا وعاش أخي.


لم أسامح أخي التوأم الذى هجرني لست دقائق فى بطن أمي، وتركني هناك، وحيدًا، مذعورًا في الظلام، عائمًا كرائد فضاء في ذلك السائل اللزج، مستمعًا إلي القبلات تنهال عليه في الجانب الآخر.
كانت تلك أطول ست دقائق في حياتي، وهي التي حددت في النهاية أن اخي سيكون الابن البكر والمفضل لأمي.
منذ ذلك الحين، صرت أسبق بابلو في الخروج من كل الاماكن: من الغرفة، من البيت، من المدرسة، من القداس، من السينما - مع أن ذلك كان يكلفني فارق مشاهدة نهاية الفيلم.
وفى يوم من الأيام، التهيت، فخرج أخي قبلي إلي الشارع، وبينما كان ينظر إلي بابتسامته الوديعة، دهسته سيارة.
أتذكر أن والدتي، لدي سماعها صوت الضربة، هرعت من المنزل ومرت من أمامي راكضة، ذراعاها كانتا ممدوتان نحو جثة أخي لكنها تصرخ باسمي. حتى هذه اللحظة لم أصحح لها خطأها أبدًا..
__
من أجمل القصص القصيرة التي لم يستدل حتى الآن على أي معلومة عن مؤلفها سوى اسمه.

13 فبراير 2018

حين لا يعد العراب يشبه نفسه..



قرأت مؤخرًا رواية شآبيب لأحمد خالد توفيق.. للصدق لم أنو شراءها بسبب خيبات أمل أحزنتني في روايات ماضية مع العراب، لا تشبهه بالمرة، لكني فعلت بتحريض من صديق وكاتب أثق به كثيرًا وقلت لم لا. أحب أحمد خالد توفيق كثيرًا. وكثيرًا للغاية. أنا ممن تربوا على كتاباته وتغذوا في بداياتهم على أعماله.. أكاد أعشقه، وهو في طليعة كتابي المفضلين دائمًا. لكني لم أحب تلك الرواية أيضًا، وهذا تذوقي وحدي بالطبع ويخصني وحدي.. لكن رأي المحب للمحبوب هو أيضا محبة أحيانًا.
ربما لست فتاة ضليعة بالأدب أو فذة ككاتبة أو قارئة دؤوبة لأقول رأيًا به.. لكني محبة مخلصة ومتذوقة لما أحب. ويحزنني أن يستسهل الكبير في قلوبنا إعداد ما يمنحه بحب كالصغار. أستطيع أن أجامل وأنافق بدوري كما يفعل بعض الزملاء وتفعل بعض الزميلات بلطف وربما ان فعلت لتفوقت في الأمر عليهم، لكنني لا أفعل ولا أحب أن أجرب. لذلك قد يغضب مني البعض للأمر. عزيزي أحمد خالد توفيق هو كاتب فذ بالنسبة لي كقارئة نهمة له تنتظر أعماله بلهفة وتحملها منذ كانت طفلة، ربما ليس أديبًا ضليعًا أو بارعًا بالمقاييس الشائعة لكنه كاتب محبب وفريد من نوعه، فقط هو ليس بروائي بارع كما هو كاتب متمكن من مجاله.. تبدى ذلك في أعمال سابقة وتبدى لي مجددًا في شآبيب.. وكم أحزنني أن أحبط منه للمرة الثالثة، يحاول العراب أن يخرج عن اطاره الذي يعطي فيه أكثر مما يكفي ليكسب جدارة أطر أخرى لا يمنحها حقها بالمرة.
وأعتذر للعراب إن كان سيصله ذلك، لكنني لا استطيع أن أجامل أحدًا أحبه أو لا أحبه للأسف، لا أستطيع حتى مجاملة نفسي وخداعها كالبعض ممن يجيدون الأمر. لكنني أعرف شيئًا واحدًا.. أن أحمد خالد توفيق كبير جدًا وسيظل كبيرًا بتاريخه لدينا كله وكتاباته الجميلة التي كبرت معنا وفينا، وكل ما ترك لنا من نعم أدبية، سيظل كبيرًا بداخلنا، لكنه ليس مضطرًا لاثبات قيمته بالتجريب المتعجل في أي ناحية على حساب الجودة الحقيقية للعمل، أنت كبير بما يكفي وباق بكل قيمتك دون محاولات بقاء..
أحب العراب وأحب من يحبونه عادة وصنعت أصدقاءا يحبونه عبر السنوات.. وهو باق داخلنا جميعًا وأكبر من أن يسعى لاثبات المزيد دون أن يمنحه حقه أو يشبهه بالمرة..
ولعل كلامي يمر مرور كلام الخيرين وعتاب الأحبة بصدق.. دون تحيز أو مبالغة أو استياء.
مجرد عتاب من شخص يحب..
أرجوك اجعلنا نقرأ مجددًا ما نعرفك فيه..

7 نوفمبر 2017

لعلهم ليسوا بهذا السوء

 "الأشخاص المؤذون لنا، لعلهم ليسوا قساة وجاحدين بالضرورة. بعضهم قد يحبنا كثيرا. والكثير منهم لديه نواياه الحسنة.

لكنهم يجرحون وجودنا ببساطة باحتياجاتهم وطريقتهم للعيش في العالم التي تجبرنا نحن على التنازل عن سلامة أنفسنا جوارهم.

ربما ليسوا أشخاصا سيئين بطبيعتهم، لكنهم ليسوا الأشخاص المناسبين لنا.

وبقدر صعوبة الأمر، علينا أن ندعهم في طريقهم.

الحياة صعبة بما يكفي دون رفقة تسحق روحك، وبقدر ما قد يعنوه لك، لا يمكنك تدمير ذاتك لأجل الآخرين.

عليك أن تجعل سلامتك أولويتك.

وإن كان عليك بالمقابل فراق شخص يعني لك الكثير، غربة عن أقرباء وأحبة، خسارة صديق، أو الإنسحاب من تجربة تؤلمك -

فلديك كل الحق في الرحيل وخلق مساحة أكثر أمانا لنفسك."


ترجمة عن:

The Artidote

النص الأصلي:

"Not all toxic people are cruel and uncaring. Some of them love us dearly. Many of them have good intentions. Most are toxic to our being simply because their needs and way of existing in the world force us to compromise ourselves and our happiness. They aren’t inherently bad people, but they aren’t the right people for us. And as hard as it is, we have to let them go. Life is hard enough without being around people who bring you down, and as much as you care, you can’t destroy yourself for the sake of someone else. You have to make your wellbeing a priority. Whether that means breaking up with someone you care about, loving a family member from a distance, letting go of a friend, or removing yourself from a situation that feels painful — you have every right to leave and create a safer space for yourself." —Daniell Koepke #ThingsThatMakeYouGoHmm