‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحزن يمر من هنا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحزن يمر من هنا. إظهار كافة الرسائل

5 يناير 2021

خطوات من بشر

 ‏يستغرق طريق العودة إلى المنزل مائة وعشرون دقيقة، يعادل ذلك دزينة أغنيات تجاوز الثلاثين، ولا يتطلب الأمر من إنسان ما ليذبحك بسكين لا يُرى أو يقتل شعورك بشيء ما، سوى كلمة واحدة جارحة أحياناً. كثيراً ما تصير الكلمة الجارحة مقدمة تليها عشرات الكلمات الأقسى والأفعال الأفدح. 
ربما هذا هو الفارق البسيط بين الآدمي وبين "البيت"، الخرساني الذي لم يغادر مكانه يوما أو يفزع أحداً من الداخل، كما تفعل البيوت التي نبنيها من البشر.

إنهم بالنهاية بشر، عليهم أن يمارسوا طريقتهم في الخذلان منذ النشأ. ولا يمكننا أن نصنع بيوتاً من بشر.

7 ديسمبر 2020

 ‏أتى يوم أدركت فيه جيدًا أنني وقفت على أنقاض دماري الشخصي مئات المرات، مرات ممن لم يعرفونني مطلقا، ومئات ممن ادعوا أنهم أحبونني وآذوني حتى آخري وطعنوا فيّ، وبرغم ذلك لم أبيّت يومًا نية قذرة لتدمير إنسان آخر بحق، وصمتت أمام صغائر النفوس رغم قدرتي على فعلها حتى درجات النسف التام، وهذا شرفي الكبير. 

حتى الخصومة لها شرف. وهذا مما لا يعرف معناه من لا يفهمون معنى كلمة الشرف ولا شرف لهم.

28 نوفمبر 2020

مقايضات يلزمها الزمن أن تصير ضرورية

 اكتشفت انه ربما لم يعد بامكاني أن أحارب "خاصة ضد مصلحتي وراحتي وحقوقي البديهية" لأجل أي شيء مجددا في الحياة. على الاقل ليس بمثل نفس التكريس والاصرار في صباي، وليس وحدي بالمعنى الأدق. وما لم تحارب الأشياء نفسها لأجلي على طريقتها.  لا يمكننا الحفاظ على شيء، أي شيء، ما لم يساعدنا هو أيضا في الحفاظ عليه. لقد حاربت بالفعل لأجل أشياء عديدة إما خذلتني بعد كل ما بذلت لأجلها، أو كان بعضها خاطئا، حينها تكتشف ان حربك لأجلها ربما ليست الخيار الصحيح وأن الخيار الصحيح أحيانا قد يكون في الانسحاب او الانتظار او الصمت. او فقط أن لا تفعل شيء. لقد اكتشفت ايضا انني امضيت حياتي في مقاومة اختيار: ألا افعل شيئا، وكأنني مضطرا دائما لفعل شيء ما. من هنا أعتقد أنني استنزفت نفسي حتى انتهت طاقتي لخوض معارك جديدة حتى لأجل بعض حقوقي أو أحلامي أو لأجل الحياة. أعتقد انني لم أعد راغبا حتى في خوض معركة لأجل شيء مهما كنت راغبا به ومؤمنا به أو مخلصا له، طالما لا أجده. ليس فقط لأنني فقدت طاقتي، أو رأيت الحزن يمر من داخلي في كل مرة خذلتني الأشياء التي تمسكت وحاربت واعتنيت بها، بل الحقيقة أنني فقدت شجاعة ومغامرة دخول معركة أعرف أنني قد اخرج منها مهزوما وخاسرا. فالحياة تعلمنا مع الوقت أن الأمل لا بد له من بعض الاحتراس والحذر، والا نتصرف وفقا له وحده. الانسان يصل لوقت لا يستطيع فيه المقامرة مجددا بما تبقى معه من نفسه او رصيده من اي شيء.   لطالما كنت أعتني بالأشياء وأصب لها كامل صدقي وحبي واهتمامي واخلاصي على أمل البقاء، بينما الآن، ينبغي للأشياء التي تريد البقاء حقا.. أن تعتني بي بدورها أيضا.  

في مرحلة ما من الحياة، على الأشياء التي تود البقاء ان تعتني بنا بعد ان اعتنينا بها طويلا. على الحياة والاخرين والاشياء والاحلام ان ترعانا، كما فعلنا ورعيناها طويلا كما يجب ولم ندخر جهدا. اعتقد اننا حينها نكون قد تعرفنا على الاستقرار.. وتعلمنا التصالح مع أحلامنا.. أن نتوقف قليلًا عن المحاربة أو القلق لأجل الاشياء وننعم بوجودها وإخلاصها في البقاء من تلقاء نفسها.

23 سبتمبر 2020

اقتلاع

 "اقتلعته من جذوره، كان شجرتي المفضلة، لكنها تتعفن، وتهدد أساس بيتي."

علقت تلك الجملة بي منذ ترجمتها من قصيدة لشاعرتي الغربية المفضلة وارسان شاير لأول مرة.. بتر إنسان مفضل من قلبك ومن عالمك ليس بالحدث الهين أبدا، لطالما اختبرت معنى ذلك.. وطالما ارتجفت أمام الخاطرة في كل مرة كنت اتعرض لها ولو دون تحققها. وتخيل لو أنك اضطررت لبتر أكثر أشخاصك المفضلين وأحبهم لقلبك على الاطلاق. بل حتى لا يتحين ان نشرح للناس ان هذا يختلف عن أنين علاقات البشر العاطفية على نحو تام، خاصة العابرة منها بأي حال، فالعلاقات العاطفية في معظمها-وليس جميعها طبعا، علاقات اكتسابية وتراكمية غير جذرية، ولكن العلاقات (المفضلة) الحميمة بحق هي علاقات جذرية تضرب جذورها في الروح، سواء الانسانية او العاطفية منها ان وجد محظوظون بها. ولكننا احيانا نخسر او نضطر للبتر. وربما عولجت الخسارة مجددا وعادت من فقدها او التحم البتر لاحقا والتئم في مكانه ليشفى، وربما لا. هذا لا يغير من حقيقة اضطرارنا لفعل الأمر أحيانا.

حتى أنني مؤخرا من ذلك العام خسرت معنى كامن في شخص مفضل، بترت شخصي المفضل على الاطلاق، ليس حبيبا عابرا او صديقا مستبدلا، بل شخصي المفضل منذ ولدت، في عمري ودمي.. ليس منذ شهور او سنوات، بل منذ تفتحت عيني على الحياة.. ولو لم اتحدث عن الامر مع شخصان على الاكثر، لبدا الامر سرابا كأن لم يحدث او كأن لا وقع له علي، فلم يصدر عن قلبي صوتا (تقول نيكيتا جيل: كم من الغريب ان القلوب لا تصدر صوتا عند انكسارها أحيانا) ولم يعرف احد على الاطلاق حتى هذه اللحظة. ربما في مرحلة ماضية كنت لانهار واتفتت واعتبر الامر ككارثة - كما هو بالفعل.. لكن بعد كل تلك السنوات والتجارب والندوب والالام الصامتة هذا ما تكسبه لك الحياة بالضرورة والا فلم تكسبك شيئا، تكسبك الصلابة والكتمان والهدوء في مواجهة الأمر. خيره وشره. وتحيد حتى الكارثة. فلا تقفز لأفراح كنت ترجف لها سابقا ولا تنهار أمام خيبات كانت من قبل لتشق روحك نصفين. الآن تحمل الخيبة وسط ملابسك كقطعة تخرجها للهواء في حجرتك وتتطلع اليها احيانا ثم تطويها وتدفنها مجددا. دموعك وصدمتك وخوفك وارتعاشاتك والخيبة والألم والندم وعدم تصديق الأمر، لن يراها أحد سواك مجددا.. ستتقاسمها مع فراشك فقط، وسيكون سركم الصغير.

لعل هذا الشيء الوحيد الذي تهديه لك الحياة طرديا مع الألم، الصلابة.

لترى.. هناك جمال بدوره، أحيانا، في أن تنكسر القلوب، ولا تصدر صوتا عند انكسارها.

21 فبراير 2020

تروما

 ‏"الكارثة التي نخشى حدوثها قد حدثت بالفعل" 

عندما قالها دونالد وينيكوت، فسّر معظم مخاوفنا. ليس ما نخافه المستقبل، فنحن لازلنا نرتعد من جروح الماضي.

21 نوفمبر 2019

الكذبات التي تؤلم

 


لا يؤلمني الكذب أبدًا كالآخرين.. تعرف؟.. 

لا أذكر مرة غضبت أو استأت فيها من شخص مقرب أو غريب كان، لأنه يكذب.. لمجرد أنه يكذب، أنا أغفر الكذب دائمًا، أفهمه وأمارسه كذلك وأغفره. أفهم أن الناس تحاكم الأكاذيب وتعلق لأصحابها المشانق، لكني أفهمها، أتفهم أنها محاولة نجاة أحيانًا، لمسة تجمل أحيانًا أخرى، ومحاولات هروب من فداحة الواقع أحيانًا أكثر. أتفهم أسبابهم ولا أنشغل بتبرير حقهم في ذلك لنفسي أو للعالم أصلا. هناك نوع واحد فقط من الكذب، يجرح دائمًا من الآخرين، وبخاصة المقربين لقلوبنا منهم، يجرحني بالأخص، نوع كنت أتوقف عنده قليلًا أو طويلًا، بحسب ما يحمل من معان داخله، أتوقف قبل أن أعرف كيف أغفره على نحو مناسب ولائق بأن يكون طيبًا.. الكذب عليك فيما يخصك انت. فيما يخص شأنك، فيما يخص مجالكما معا، فيما يخصه تجاهك، فيما يخص عالمك الداخلي وأفكارك التي شيدتها، والتي يحدث أن يكون أحدهم جزء منها.. الكذب الذي يحيلك للتخبط والشك بعد منح الأمان في أي رابطة أو طريق، الذي يشبه التلون والتقلب المخيف لمن يعيش جوارك داخل بيتك، يصبح مثير للخوف من العالم أجمع، لأنه يقول الكثير أو القليل عن قيمتك لدى أي شخص في أي رابطة، وحقيقة ما يكنه لك، يقول عن القريب ويقول عن الغريب، وبالأخص عن الصديق، أو الأقرب منه، لأنه كذب يخصك. أنا أمارس الكذب كثيرًا، وأغفره دائمًا.. ولكن، ذلك النوع من الكذب، فقط، كان يخرج عن سيطرة مغفرتي ورحمتي ولو لبعض الوقت، كان يجرح.


7 نوفمبر 2019

رواية أفسدها المترجم

 الحزن الذي امتلكته طوال حياتي كان حزنًا لا يمكن وصفه بسهولة، أو محاولة شرح مسيرة تكوينه ونموه، متراكمًا في طيات الأوقات. لا تفسير مرجو لمواسم سباته العميق، واختفائه، أو ظهوره، وأحيانًا هجومه. ظل متعلقًا بديمومة كوني إنسان على هذه الأرض، مثل شخصية لا تترجَم كما يجب داخل قصة ترتبك أحداثها رغمًا عنها، حزنها أيضًا ظل عصيًا على الترجمة. كان موجودًا دائمًا، أحيانًا يحترم مساحة حياتي ويتنحى عنها وأحيانًا يزعجني.. يمكنني القول أنني حزين/ة كرواية جيدة أفسدها المترجم.

8 أكتوبر 2019

 هل تشعر في بعض الأيام وكأنك ابتلعت لسانك، أمام كل شيء.. أنا أشعر بعض الأيام بأنني ابتلعت لساني وقلبي.


12 سبتمبر 2019

ظلال الخوف

 "أنت تخاف الوهم، ما عدت تملك ترف تصديق ما لا تراه بوضوح.. 

لا تطمئنك الاشارات المزدوجة للأشياء من حولك.. قدر ما تطمئنك المباشرة.

ما عدت تملك ترف تحمل أن تهب نفسك بكل هشاشتها وعريها واخلاصها لشيء ثم تنجرح بقسوة، أن تخذل كأي مغفل صادق اخرج له الوهم لسانه آخر اللعبة، أو تصفع بصدمة مدوية من اكثر ظنونك الآمنة ونواح طمأنينتك، لأنك أخطأت وصدقت الوهم. 

لأن الندم عض قلبك حتى نزف، صرت تخاف خديعة الوهم. تخاف قسوته في الغدر بك وقت طمأنينتك واستسلامك وعريك. تخاف أن تفقد سلامتك للأبد ذات مرة. وتغيب في اثار ألمك.

لقد جرحتك الثقة. جرحتك حتى صرت تخاف الوهم وترتجف مما قد تفعل بنفسك ان توهمت أو هزمك الوهم لتحقيق محض انتصار مبتذل عليك."

8 يوليو 2019

أحب الطبيعة أكثر.


أنا لا أحب البشر أقل.. أنا أحب الطبيعة أكثر.
حاولت كثيرًا ان أبرر عدم محبتي للانخراط والاختلاط المفرط مع البشر. في الماضي كنت أعتقد أن البشر والطبيعة نصفان يكملان أحدهما الآخر. بمرور الوقت أدركت أن البشر يصيرون مع الوقت كائنات ضد الطبيعة. تسقط العفوية والمحبة وحب الأرض في شخوصهم وتظهر أشياء أخرى. أشياء للحقيقة لا يسعني التعامل معها. كي لا أفقد نفسي رغمًا عنها. فعلتها مسبقًا في صباي وندمت كثيرًا، ومن حينها تراجعت لمساحتي المفضلة من الناس والأشياء. أشعر بالخوف كلما قرأت خبرًا عن جريمة قتل أو اغتصاب أو تشويه، حتى هذه اللحظة. أشعر بالخوف مما أرى الإنسان قادرًا عليه من سوء في حق غيره وحق نفسه. 
 لقد بت أمرض من أي فعل قبيح أو يضطرني إلى رد فعل أقبح سأكره ما صار بنفسي بعده. ومن أن تنهال عليّ بعد ذلك الكلمات الجارحة. 
الكلام الجارح سكين، الكلام الجارح فأس قاتل في الصدر.
وحين يأتي الجرح كصفعة على وجوهنا من شخص كنا نحمل له حبًا بالخصوص، يتحول إلى حطاب يشق الصدر بفأسه. هذا شيء أبعد من المغفرة، سير على شوك لا يمكنني معاودته، الكلام الجارح فأس يقف بيني وبينه، وقلبي ينتظر بحزن أن تمتد يده للفأس مجددًا. لا أستطيع أن أثق بشخص شق صدري مجددًا، وخاصة بعد أن كان داخله.. كيف يمكن غفران شق الصدر بفأس حتى ينزف ولا يلتئم. كيف يمكن تقبل صناعة الجروح من يد وضعنا لها الحب في يدنا.. الكلام الجارح جريمة قتل ممن نعرفهم وممن لا نعرفهم.. وممن أحببناهم بالضرورة. لا شيء يمحوه.. ولا شيء يخيط جروحه أو يغفر ألمه. حين تجمعني اللحظات مجددًا بشخص جرحني لا أعود أراه أمامي.. لا يعود موجودًا بالنسبة لي. كل الكلام الجارح الذي ألقاه في وجهي يقف بيني وبينه. ولا يعود طريقًا يمكن أن أعاوده. بل قاطع طريق أملك له ردًا واحدًا: .. كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟!
/
أنا لا أحب البشر أقل.. أنا أحب الطبيعة أكثر.
‏الفترة التي كان من الممتع فيها خوض حديث مع شخص غريب انتهت بالنسبة لي منذ أمد. أنا حملت العدوى مبكرًا بالنسبة لفتاة حساسة تجاه الأذى وتجاه الرياح التي تحمل الضرر: فهم البشر.
أقيم جدرانًا عازلة بيني وبين الغرباء.. جدارًا تلو آخر.. وأسلاك شائكة، واختبارات، والكثير من الحذر والشك، فقط لأنني أحمل ندوبًا تكفي، من أن أخطيء الثقة والاختيار مرارًا. فقط لأنني أكثر هشاشة، من أن يصبحوا يومًا مقربين إلى الحد الذي يجعل باستطاعتهم جرح قلبي.
المؤلم أنني كلما أعطيت فرصة واسعة لغريب، وأعطيت معها قلبي.. كان يجرح ثقتي بشراسة أنسى معها يدي الطيبة، وأفقد الثقة تجاهها، يفعل بي ما يجعلني أعود مجددًا لمساحتي البعيدة من الأمان، والرفض. كخرافة سالمة.
لست كائنًا ضعيفًا، ولطالما على العكس كنت صلبة كفاية للتجاوز، تجاوز كل شيء، لكنه عالم غير صحي ولا يمكن العيش فيه بدون معادلات نجاة. كلٌّ يضعها حسب مفرداته.
هكذا، اعتدت أن أغلق الأبواب وحدي، وأعيد ترتيب ما أفسده الآخرون بداخلي.
/
أنا لا أحب البشر أقل.. أنا أحب الطبيعة أكثر.
لست انعزالية، أنا انتقائية. وأعترف بهذا. وهذا ليس ترفعًا كما يبدو، بل يأسًا. حماية لنفسي وحياتي. قدر ما استطعت. 
لكم أن تتخيلوا كيف صار يشعر شخص كان لزمن مرهف الحس فيما سبق، وكانت لديه فكرة طفولية جميلة عن أن العالم أخضر اللون وأن الناس جميعهم يغلب عليهم الخير، وقلة نادرة هم أوغاد بالفطرة، أو مروا بظروف سيئة جعلتهم أوغادًا، بعد احتكاكه المفرط بالعالم وأهله ولمس تشوهاته بباطن اليد.
من يتحسس بباطن كفه بما يكفي لمعرفة العالم. فيما بعد يدرك عليك أن تكون حادًا، شائكًا مثل قنفذ، مبهم مثل ورقة مبللة اختلط حبر الكلمات بالماء فيها فاختفى النص، قاسيًا مثل صخرة لا تُخدش مهما كانت المحاولة، حتى تتمكن من العيش مع هؤلاء في مكان واحد. وللأسف أنني حاولت القسوة لكنني فشلت. طالما أنني مرئية بما يكفي للآخرين فهذا يستدعيهم ليخرجوا من جحورهم مستعدون للقفز على حياتي وقلبي. لذا عليك أن تكون لا مرئيًا في ذروة حضورك بقدر ما تستطع. عليك ألا تكون مكشوفًا.
إنك ترتكب أكبر زلاتك حين تصبح مكشوفًا تمامًا أمام الآخرين. هذه لا تعد شفافية ولا يعد الأمر إخلاصًا أيضًا.. إنك تمنحهم بكل بساطة وسيلة التخلص الأسرع منك.
شيء مخيف أن تعطي كل مقابض السكين التي تستطيع جرحك لأحدهم وتصبح عاريًا أمامه هكذا..
احتفظ دائما بالأوراق الناجية في أدراجك الخاصة.. بعيدًا عن الطاولة.
الأوراق الأكثر أهمية، الأكثر حساسية..
ومهما خسرت لا تراهن على أحدهم بها.
/
أنا لا أحب البشر أقل.. أنا أحب الطبيعة أكثر.
هكذا كان مقدرًا لي أن أحب صورة عزلتي المختارة أكثر من الصورة التي لا تشبهني وأكرهها عن نفسي والتي صار علي لكي أنجو من الأذى أن أصنعها في مواجهة لسكاكين العالم كل يوم.
بينما يقتل الانسان أخيه، أو يأكل لحمه ميتًا.. الدلافين تقبّل القطط؛ والغزلان تركض فداءًا لبعضها أمام قرار القناص!، وقطتى تربت على صدرى برفق الصديقة التى تعرف ما به، حين يرتجف قليلًا تحت بلوزتى.. دون أن تخجل من عيناى العسليتان بينما تراقبانها بابتسامة خفيفة.
الحيوانات؛ على الفطرة.. لا تعرف ادخار المشاعر أو الخجل من الحب؛ ولم تفسد السوداوية والمنافسات نظافة روحها أو تسلبها قدرتها على الرحمة بعد !
لا أحب البقاء بجانب البشر كثيرًا. وأخاف إطالة الاحتكاك بالغرباء. أحب البقاء بجانب الأطفال. أنسى نفسي إلى جانبهم. وبجانب الأشجار. والحيوانات. وبجانب من أحبهم ويحبونني بصدق، وأنجو معهم من الألم والأذى على هذه الأرض.
أنا لا أحب البشر أقل.. أنا أحب الطبيعة أكثر.






24 يونيو 2019

عزاء رجل أحبه


واحد من أجمل الخطابات التي تلقيتها في حياتي كتبه لي أستاذي للغة العربية وصديقي لسنوات طويلة.. كنا نناديه "مستر سيد".. لكني كنت أخاطبه بمودة "يا بروف" .. كان صديقي وملهمي، وكنا نقرأ الكتب والروايات ونهديها لبعضنا ونتقابل للتمشية والحكي الذي لا نمله، ولا أتوقف عن زيارته في المدرسة متجهة لحجرة اللغة العربية التي أحفظها حفظًا كما لو كنت أحد مدرسيها الذين صادقتهم جميعًا كزميلة لا كطالبة، أحفظ مكان الشاي والقهوة والبسكويت وأجلس معهم على الطاولة نضحك ونثرثر كما لو كنت عائدة لتوي من حصة بجدول تدريسي بالدور الرابع. أشكو له من أخطائي النحوية في كتابتي، وأنني لا أفهم كيف أحب النحو كثيرًا وأخطيء هكذا. فيقول بحكمة أدركتها أنني سأجرب كيف سأحب الحياة ذاتها وأخطيء فيها.
مع هدية احتفالي بمغادرة المدرسة للأبد أرفق الكلمات مع شكمجية ملونة صغيرة: "إلى الهدوء الشقي، والشقاوة الهادية.. إلى الطفولة الناضجة، والنضج الطفولي.. الآنسة أسما، أؤكد لك أن كل من تبتسمين له لن يصدق أن الموت يمكن أن يواري ابتسامتك.. فابتسمي دائمًا."
في ٢٠١٦ كمثل هذا اليوم تلقيت خبر وفاته، وعرفت أنه سبقني وتوقف عن الابتسام للأبد.
لازلت أفتح خطابه القصير مرارًا وأفكر بحنان أنني أحببت هذا الخطاب أكثر من أي شيء تلقيته في ذلك الزمن.
اليوم تحل ذكراه الخفيفة اللطيفة على الخاطر.. كنسمة.
كم أحببته، وكم أفتقده.. أفكر بأنني أتمنى لو أرشح له كتبًا كثيرة هناك في نومه الطويل وأخبره عن أشياء عديدة فاتته من عمري، وأشياء أكثر كنت أتمنى لو آخذ رأيه بخصوصها وكان إلى جانبي.. كم هذا مؤسف، أن الموت ينتقي من يصنعون الجمال الأكبر. ومن يدركون قيمة أن لا يدفن التراب ابتسامة جميلة.

5 يونيو 2019

فشل عاطفي



تحت شباك غرفتي ..
الأوركيد يذبل بسرعة مريبة، رغم اعتدال الجو !
لا يعتني أحد به في غيابي.. مهما أنفقت على الزنابق البيضاء من حب، وأنفقت هي على البيت.
نفس الأوركيد الذي ينظر إليّ منذ طفولتي، في كل الشوارع ومحلات الزهور، بنفس الابتسامة البيضاء
كنت أحب أن أخبر نفسي، بأنه يقول لي أحبكِ، مثلما تحبينني وأكثر.
يحدثنى ذبوله، بفشلي..
في أبسط ما يمكن أن تفعله فتاة صغيرة،
تحاول قدر الإمكان الحفاظ على هوية الأشياء التي تحب
من الموت أو الضياع !
أن تنقذ الشيء الذى تحب..
أن تُبقي الأوركيد على قيد الحياة.

22 مايو 2019

أشباح ووداعات مبتورة



غريب أن تشعر كما لو أنك فقدت شخصًا لست متأكدًا حتى من حقيقة وجوده.
غريب أن تشعر أنك تتألم لموت شيء لست متأكدًا حتى من معرفته.

5 مايو 2019

ذكريات تحت الاختبار



‏في بعض تلك الأوقات، لم تكن المشكلة حقًا في إفلات أصابع من أحببت، وإن كان لا بد من أن تؤلمنا أصابعنا بشكل ما، كلما كان شعورها صادقًا.. لطالما كانت المشكلة في حصولك على ذكريات لست متأكدًا من صدقها.

25 أبريل 2019

الحياة ستتكفل بكل ذلك وحدها.

 كنت أتمنى لو كان بامكانى أن أوقف الأب الذى صفع طفله أمامى ذلك الصباح بينما أقف في المتجر لشراء زجاجة مياه للطريق الطويل؛ فقط لو عادت بى الساعات قليلًا ومنحنى الله الكثير من الجرأة والقليل من التطفل اللازم لأقول له هذا..

أرجوك لا تكذّب صغيرك.. لا توبخه كثيرًا.. لا تقل له اصمت.. أو تسىء فهمه.. أو تسلبه الثقة.. أو تخذله.. ولا تصفعه بهذه القسوة. 

الحياة ستتكفل بكل ذلك وحدها.

15 أبريل 2019

ألم مفتوح


في محاولة لإخفاء آثار جروح سابقة، ملتئمة، إفتعل أحدهم جرحًا آخر أشد قسوة في مكان سليم من قلبي.. وهكذا صرت أشد ألمًا وغضبًا عليه من البقية.

6 مارس 2019

 اللحظات الأقسى من موت أصدقائنا وأحبائنا ليست تلك التي تلي موتهم مباشرة، والتي قد يتسابق إليها الجميع بضراوة، وكأن الوفاء الوحيد للحب هو الموت.. بل هي اللحظات اللاحقة، البعيدة، المتسللة فجأة في قلب لحظة عادية، وأنت تقلب في صورك القديمة، أو دفتر أسماء الهاتف، أو حتى قوائم السوشيال ميديا، تلتقي بتعليقاتهم الماضية على شيء يخصك، أو تتعثر بهم في حدث ما، صورهم، آرائهم، نكاتهم، فتشعر بقبضة تعصر قلبك فجأة، وتذرف دمعتين، وتنظر إلى تلك الوجوه العزيزة التي رحلت مبكرًا عما تحتمل بكثير، ولا تجرؤ أصابعك رغم علمك بانقطاع الاتصال على حذفهم من أي قائمة.


7 ديسمبر 2018

من مسلسل الغضب



أحيانًا أنا لا أشعر بالحزن فقط. أنا أشعر بالغضب، الغضب الصامت الذي لا يعرف شكلا في نهاية تأججه سوى الدمع او صمت أكبر. ربما ينام جسدي طوال اليوم لأنني غاضبة ولا أملك صنع شيء، وليس فقط لأنني حزينة. أشعر بالغضب لأن كل قطط الشارع الصغيرة دهستها سيارة دون قصد، الغضب لأن متسولة الشارع تحمل طفلة أعرف أنها ليست ابنتها وتشوهها لتسرق عمرها ونقود الغرباء. الغضب كلما مات شخصًا أحبه أو أعرفه أو لا أعرفه دون حق في اختيار موته. أشعر بالغضب بسبب الرجل البشع الذي تبول بالشارع في وضاعة ووحشية ضاحكا أمامي بينما أعبر الطريق باكية موت شخص رحل دون حق في سؤاله للبقاء. بينما يبقى هؤلاء الوحوش وسطنا بكل مكان. وباكية لأنني امرأة طيبة تحمل جسدًا يدينها ويعرضها للخطر والألم والأذى في هذا العالم الفج. وتحمل حتى رخصة غير مرغوبة لتكرههها وتؤذها مخلوقات أخرى. الغضب لأن أهل بلادي لا يستطيعون وضع رؤوسهم على الوسادة ليلا دون حصة يوجهونها من الأذى الغير مبرر لمن يعبرون الشوارع دون أي أذى. لأن ما من يوم يمر علي في تلك البلاد لا أكره فيه الخروج من عزلتي الغير مخدوشة لوحشية قلبها وناسها. الغضب كلما دفعت المرض محايلة من دم والدي لكنه لا يزال هناك ويخرج لسانه لي. الغضب لأني ولا مرة أذيت من يوجه لي الأذى لكي يملك سببًا. الغضب لأن الله يصمت أمام كل ذلك بالأساس بينما صوته هو الأعلى. أشعر بالغضب لأنني خلقت في هذا العالم. هذا العالم لا يصلح للحياة، لا يصلح لمن هم مثلي ينتظرون من الآخرين دائمًا أن يحملوا قلبًا لينًا مثلهم. أو أن يعاملونهم فقط بالمثل. لا يصلح للأطفال الذين سيكبرون ليصبحوا وحوشًا آخرين، لا يصلح للشِعر الذي يبكي يوميا ويتخذ شكل الحزن، ولحيوانات الشوارع الضالة التي لا ترغب سوى بأن تعيش في سلم. لا يصلح للمرضى، هذا العالم يقتل متلذذا بالألم دون مرض. لا يصلح للمرضى. لا أنا ولا الطفولة ولا قطط الشوارع ولا الشعر ولا النائمون على الأرصفة تحت البرد كنا نصلح لهذا العالم. ربما لذلك ننام حتى يغمض العالم.

19 أكتوبر 2018

طريقة العالم في التربيت



تقول شقيقتي أن شعري يتساقط حولي مؤخرًا مثل قطة.. هذا ما تقوله صديقتي أيضًا وتجن كلما وجدت خصال شعري بعد رحيلي على كل الأشياء كتوقيع صارخ على مروري. ربما صار هذا ما ورثته عن القطط التي أعتني بها، ذاكرة تتساقط في كل زاوية وتلتصق بكل نسيج لتشبهه. 
يقول أبي أن الأشياء تتساقط من عقلي بغرابة، أنسى أغلب الأشياء حتى أنني نسيت الحليب كثيرًا دون أن أعود له، وأحيانًا أنسى مفتاح البيت كأنما أيضًا لا عودة لي. يقول أصدقائي بأنني أنسى مواعيدي معهم، يستاء أصدقائي من أنني أسقط المواعيد التي وعدت بها مسبقًا، لا يعرفون أنها تسقط من تلقاء نفسها من ذهني، وحين تعود تصير غريبة وعليّ أن أتعرف مجددًا على رغبتي بها. لا أحد يعرف أنني ألعب دور التائهة التي لا تعرف من أين جاءت ولا أين ستتجه، لأنها فرصتي الوحيدة لنسيان كل سوء، والبدء مجددًا. 
تتساقط أحيانًا فرش الرسم من يدي أثناء التلوين، وأحيانًا العام ٢٠١٢ والعام ٢٠١٥ الذي لا أتذكره بالمرة، ولا أي حدث أو تفصيلة تشير أنني عشت حينها، كورقتيّ تقويم أسقطتهما ذاكرتي لأنها لا تريد الالتفات مجددًا. أسقطت الأول من أكتوبر في كل عام، ومؤخرا أكملت إسقاطه بأكمله. أسقطت أحداث وتواريخ كثيرة عن ذاكرتي حتى لا توجعها، لم أكن حينها أكذب أو أتخفى أو أترك نفسي للتوهم، كنت فقط أسقطها فعلا. تتساقط عن ذراعي أصابع عديدة، تتساقط من أصابعي اللحظات، وأحيانًا تكون قدمي من تسقط في شوارع لا أعرفها، وأحيانًا صوتي.
أنسى كل شيء فعلاً وليس مجازاً.. تتساقط التفاصيل عن رأسي والأشياء عن قامتي كما يسقط المطر من السماء بلا عودة. 
ربما كانت تلك هي طريقة العالم في التربيت عليّ.. أن يتساقط عن ذاكرتي عبء الأشياء. أن ينقذني من التفاصيل. ربما عليّ أن أكون خفيفة كفاية، متخففة من كل شيء.. لكي أحتمل يد العالم وهي تمسح على رأسي.

30 يوليو 2018

تبخير..


مرة غفوت على طاولة الطعام في المطبخ أنتظر انطلاق صافرة غلاية الماء، عندما استيقظت وجدت كل الماء الذي كنت أنتظر أن يصل إلى درجة الغليان قد تبخر وما تبقي لا يكفي لإعداد فنجان شاي. ولأنني كائن يحب النوم، اعتبرتها إشارة إلهية. فكم من الأيام الثقيلة التي تبخرت وأنا لا أفعل شيئًا سوى النوم. حتى تمر. وما كاد أن يصل لدرجة الغليان ويحرق قلبي، دفنته فيه، وتبخر، لم يعد يكفي حتى لتجعيدة حزن تفسد كحل عيني.