‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات صحفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات صحفية. إظهار كافة الرسائل

17 مايو 2022

نحن أبناء ذاكرتنا أحياناً.. وأندادها دائماً (حوار صحفي)

حوار مع: إسـلام أنـور
مجلة عالم الكتاب / العدد 66 - مارس 2022

____

 _الموت والخذلان والوحدة والألم لهم حضور قوي في كتابتك إلى أي مدى تمنحك الكتابة مساحة للتحرر من تلك الهواجس والأوجاع؟


* يتعين على الكاتب أن يأخذ الأشياء الأكثر شيوعًا في حياته وفي الحياة حوله - من المشاعر، الصفات، الأسماء، الضمائر، الأفعال، الأحوال - ليشكلهم معًا ككرة ويجعلها ترتد إليه في مخيلته. ثم يقوم بتحويل تلك المعطيات بطريقة معينة ليجعل الناس يدخلون في المزاج العاطفي لما يكتب. وبطريقة أخرى، في مزاج حي، يحمل انعكاسا بمخزون وعيه الخاص الذي شكلته الحياة.

وكما ذكرت من قبل، فأعتقد أن الكتابة لا تحرر أحدًا من هواجسه أو تشفي ندوبه، وهي ليست عملية علاجية بالضرورة. بل عملية تدوير، يمكن للإنسان إعادة تدوير الأشياء وتصريفها خلال الكتابة بحيث يتمكن من التعايش معها أو تخطيها. بما في ذلك هواجسه واهتماماته وقضاياه وآلامه.



_عنوان ديوانك "أجمل الوحوش التي عضت روحي" يحمل قدر كبير من المفارقة والسخرية من الجمال والتوحش كيف ترى هذا التناقض؟


* عنوان الديوان جاء حاملًا للمفارقة التي يحملها الديوان في متنه، المفارقة بين الألم والعذوبة، الانتماء والتملص، الحب والتأذي، الرحمة والقسوة، ومفارقة التوحش والضرر الذي يتخفى في صورة الجمال، ومفارقة الجمال الذي يتوحش بينما نراه على صورته الأولى التي أحببناها ويلزمنا زمن للتصديق أنه بذلك التوحش. 



_سؤال الزمن والذاكرة لهما حضور بارز في كتابتك كيف تتأملي التغيرات التي يحدثها الزمن في حياتنا وبرأيك إلى أي مدى نحن أبناء ذاكرتنا؟


* نحن أبناء ذاكرتنا أحيانًا، وأندادها دائمًا. الذاكرة ظل للإنسان يقف ندًا له، أحيانًا يألفه ويحبه، وأحيانًا يصارعه. والكتابة هي صناعة وإعادة تدوير للذكريات والذاكرة، الكاتب مصنع ذكريات حي متجدد. يحاول منح أعماله عمرًا، ويبقى حيًا وفاعلًا في ذكرياته.

عندما أكتب تصبح سلطتي على الزمن أكبر من العالم. وأرى كيف أن أغلب الناس تصارع الوقت وتنتظر اللحظة، لكننى أعيشها وأكتب. لأننى لا أريد أن أنتظر اللحظة؛ بل أريد أن أنغمس فيها وأحتفظ بها لأستردها مجددًا، وأصنعها إن لزم الأمر. اللحظات الفارقة فى الحياة لا تنتظرنا، إنما تسرع بالرحيل، ودون عودة أحيانًا. فيجب أن تكون هناك دائمًا خزانة استرداد لأنفسنا وزمننا وذاكرتنا، والكتابة خزانة ونافذة، جرح موارب فى اللغة حين تكون المخارج مغلقة.



_تفتتحي مجموعتك القصصية "فسحة بويكا" بجملة تطرح العديد من الأسئلة عن ماهية الكتابة "هذه النصوص مثل كل شئ آخر، صالحة فقط حتى لحظة الانتهاء من كتابتها" ماذا تعني لك الكتابة؟


* الكتابة تشبه تمامًا المطبخ، هي مطبخ دائم للتجربة والشخصية والجدوى. لذلك تتأثر وتتغير ب/مع كل منهم، فلا يمكن الحسم بصلاحية أفكار الكاتب في مرحلة ما للأبد. كل مرحلة لاحقة ستضيف أو تحذف مما سبقها من مراحل بحسب ما تكتسبه شخصيته أو تتخلى عنه من أشياء. ونفس الشيء بالقياس على وعيه وإدراكه ورؤيته للعالم ولغته ونضجه. لذلك، النصوص مثل أي شئ آخر في حياة الإنسان وشخصه، صالحة كمعيار حتى لحظة الانتهاء منها فقط. والكتابة تعني لي حياة موازية أخلق بداخلها شتى أنواع الحيوات التي لم تسعها الحياة العادية. كذلك، الكتابة كانت وسيلتي الوحيدة المتاحة لترميم ما أراه قبيحًا وفاسدًا وقاسيًا في العالم، وجعله أكثر إنسانية وعدلًا في صورة ما ولو مجازية، أو إسقاطية، أو فانتازية. الكاتب لا ينبغي أن يجعجع بلا طحن، أو يناضل بالكليشيهات الخرساء نظريًا كالآخرين. بل أن يغرس انحيازاته وأفكاره وقيمه بصورة عرضية ذكية وحساسة في أدبه. أن يغير ولو عقل واحد يدخل إليه من خلال المخيلة. أن يزرع أفكاره ورؤيته للعالم لكي تعيش أطول منه، وتظل تنبت للأبد. تلك هي المقاومة الحقيقية.



_الرسم والموسيقى والتقنيات السينمائية من مونتاج وفلاش باك لهم حضور بارز أيضا في قصصك كيف ترى العلاقة بين تلك الفنون المتنوعة؟


* أرى الفنون جميعا مجموعة من ألوان وحواس الحياة، لا يمكن الاعتماد على لون واحد أو حاسة واحدة دون الآخرين، لتكتمل صورة ما. لذلك فالعلاقة بينهم متداخلة وقائمة ومستمرة. وشخصيًا أنحاز لكل أنواع الفنون، وكنت أتمنى لو أتقنها جميعها أيضًا، فلطالما تمنيت لو أنني أتمتع بصوت مناسب للغناء، أو أجيد عزف آلات مختلفة، أو أملك مهارات سينمائية. لدي نهم لتذوق كافة الفنون، وشغف لممارستها كذلك.


_لحظة البداية تحمل غالبا ذكريات ومفارقات عديدة كيف بدأت رحلتك مع الكتابة وكيف تتعاملي مع تعليقات القراء والنقاد على كتابتك؟


* اتجهت للقراءة أولًا في سن صغيرة بعد شغفي بحكايات النوم من أمي، ثم تطوره مع قصص ومجلات الأطفال. وبدأت محاولات الكتابة بعدها، كتابة عفوية طفولية بالطبع، قصص أو خطابات، بل وكنت أهوى في زمن ما تأليف حكايات عن أصدقاء خياليين يزورون أحلامي من عالم آخر وأسردها على عائلتي وأصدقائي حتى أول المرحلة الابتدائية، ثم اتجهت للمشاركة في المجلات المدرسية، حتى أنني صممت مجلة خاصة في طفولتي بالمنزل، وأجندة بهيئة كتاب أقاصيص. بالطبع تطور الأمر وكان يتخذ طابعًا أكثر جدية ونضجًا ووعيًا على مر السنين وهكذا.

أعتبر التفاعل مهم كمعيار لتذوق المادة، وأتعامل معه ومع النقد بشكل محايد وتلقائي، فالنقد الصحيح قد يلفت انتباهي لما قد أغفل عنه أو ينبغي العمل عليه في كتابتي. والمديح قد يطمأنني ويشجعني عاطفيًا لكنني أمتن كثيرًا دون أن أتوقف عنده.



_تكتبين القصة والشعر وتعملين بمجال الترجمة من خلال تجربتك كيف تري خصوصية كل وسيط منهم وأيهم أقرب إلى قلبك؟


* أنا منحازة للقصة القصيرة تمامًا وأفضلها على الرواية، أعتبرها بمثابة بيت لي أتنقل وأعود إليه بالضرورة. لا يمكنني تخيل الحياة دون وجود القصص أو نسجها، وكذلك، ليس هناك معاناة أكبر من أن تحمل قصة غير مروية بداخلك. أما الشعر، فهو يستحوذ على كل شيء، روحي ورؤيتي للعالم وخيالي وقراءاتي، الشعر يسيطر حتى على إلهامي ومخيلتي عند كتابة النثر، ولغتي السردية. أعتقد أن الشعر هو أقوى لغة يملكها العالم.

بينما بدأت الترجمة من الرغبة في مشاركة ما أحببته أو ما تمنيت كتابته بنفسي ولم تتسن لي الفرصة. وكي يتحرر النص من سجن لغة ونطاق واحد ولا يندثر دون أن يصل إلى ما يستحق من الانتشار. ثم أردت أن أتقن الترجمة، لا أن أستخدمها للاطلاع والمشاركة فقط، وجدتها مغذّية لمخيلتي ووعيي، وضرورية للحفاظ على طاقة التواصل المتبادلة عبر الكون ولياقة الحياة. 



_سؤال اللغة كذلك من الأسئلة البارزة التي تواجه معظم الكتاب كيف تتعاملي مع هذا السؤال؟


* أعتقد أن الكتابة ذاتها إجابة لسؤال اللغة. اللغة تشبه الإنسان، ما نتوقعه من الإنسان نتوقعه منها. لذلك فهي لا تملك ملامح وأحوال ثابتة حول العالم. ولا يمكننا القول بأن اللغة وحدها هي الخلاص، بسبب ذلك التباين، لكن اللغة هي المنفذ الذي يجد عبره الإنسان متنفسًا للخروج من المآزق الحقيقية في الوجود. اللغة ترضي حاجة الإنسان للتواصل والهروب في الوقت ذاته.



_في كتابتك هناك إحالة للعديد من الكتاب والكاتبات مثل كافكا ونازك الملائكة من أكثر المبدعين الذين تأثرت بهم؟


* في بعض الأحيان أحب الإشارة لبعض الكتاب في بعض المواضع، أو أستعين أحيانًا ببعض المقتبسات التي تتداخل مع حالة النص. في مجموعتي القصصية الثالثة أيضًا أعتمد على مداخل شعرية وتقاطعات أدبية كما أحضرت بعض الكتاب بشخوصهم إلى أحداث بعض القصص.

أحب من الكتاب عدد كبير، وأتأثر ببعضهم، في السرد يسعفني أن أتذكر منهم: ميلان كونديرا وربيع جابر ونجيب محفوظ وخوان مياس ودوستويفسكى وعبد الله ناصر وجيم هاريسون وكالفينو وأصلان ويحيى الطاهر وماريو بينيديتي وأحمد عبد اللطيف وأفونسو كروش وساراماجو ومنصورة عز الدين ومحمد المخزنجي وحجي جابر وجبور دويهي وستيفان زفايج. وفي الوقت الحالي هناك كتاب معاصرون يؤرخون لمشروعهم الأدبي بخطى فريدة وقيّمة، ويعملون على صقل أعمالهم باستمرار، وبصورة فنية دون التفات لمعطيات السوق التجارية أو اهتمام بالمبيعات أو اثارة الضجيج وتلك السباقات اللاهثة، وهم من أفضّل القراءة لهم وأثق بمتابعتهم أكثر، منهم ضياء جبيلي وعبد الله ناصر وأحمد الفخراني وعادل عصمت.



_الحواس كذلك حاضرة بقوة في كتابتك إلى أي مدى تتعاملي مع الكتابة ككائن حي؟


* الكتابة بالفعل إحدى الحواس المنفردة، حاسة قوية مستقلة، يتمتع بها البعض إضافة لحواس الإنسان الطبيعية. وهي أيضًا ترجمة لكل الحواس الأخرى. في أصل الأشياء وقبل أن يبدأ العالم، كان الصمت، ثم كانت الحواس، لمساعدة الكائنات على الشعور والتعبير والتواصل، وبمرور الوقت صار من الممكن للإنسان أن يتواصل أيضًا بالكتابة، وأن يشعر ويعبر ويتصل بالآخرين. وتصبح عملية الكتابة وما يقابلها من القراءة، هي الأخرى صوت يمكن سماعه، ورائحة يمكن التقاطها، وتفاصيل يلمسها العقل ويترجمها الوعي، ورؤية يمكن تخيلها وعرضها.

وهي تتيح لي كذلك أنسنة الأشياء من خلالها، لأن أنسنة الأشياء والجمادات، أو إحياء الأشياء غير الحية، هي إحدى الرؤى التي تسيطر على رؤيتي للعالم وللأشياء من حولي. لا أستطيع التواصل مع أشياء كثيرة أو تكوين فكرتي عنها دون اعتبارها حية.


 _لماذا اخترت الشاعرة والروائية الأمريكية سيلفيا بلاث لتكون مدخل وعنوان لمجموعتك القصصية الأخيرة؟


* نحن قد نكتب عما يثير انتباه مخيلتنا ويحفزها، أو عمن تجذبنا ذواتهم في الحياة، وهنا تصبح بعض التجارب مثيرة للتأمل وملهمة للمخيلة. تشغلني سيلفيا إنسانيًا بما تحمل حياتها من حالة فريدة إنسانياً وشخصية غنية، أكثر منها كشاعرة في منتجها الأدبي.. حيث قد يتعجب البعض من مفارقة تناولي لها إنسانيا وفي الكتابة، بينما أراها أدبياً شاعرة جيدة ولكن ليست استثنائية أو في قائمة مفضلاتي، لكنها إنسانة تحمل إرث شخصية ملهمة وحياة مثيرة للفضول والتقدير كذلك.

تخيل فقط مشهداً واحداً من حياتها المزدحمة بالتوترات المختلفة، مشهدها الأخير، امرأة استيقظت ذات يوم وقررت الانتحار ولكن قبل ذلك فكرت في ضرورة إعداد الحليب لأطفالها النائمين لحرصها على أن يجدوه بانتظارهم عند استيقاظهم ربما كي لا يفزعهم غيابها عن صباحهم دون أن يبدو طبيعياً.. كانت تلك امرأة تحمل روح شاعرة حقيقية.



 



18 سبتمبر 2020

(الكتابة كوسيلة لتدوير الألم وليس علاجه)

 (الكتابة كوسيلة لتدوير الألم وليس علاجه)

أسماء حسين عن "العودة من سيلفيا بلاث"

حوار: أسماء سعد - مجلة إبداع 

__

تفيض نصوص "العودة من سيلفيا بلاث" بالعاطفة المرهفة، لتعكس مشاعر وجدانية عميقة لدى الكاتبة أسماء حسين، التي نجحت في تحقيق مزيج رائع من ضربات الفرشاة وخطوط الأقلام، لتشكل بهما قوام مجموعتها القصصية، حيث أغنت السرد في بناء النص الخاص بها، بما تملكه من قدرة على التعبير نثرا وشعرا.

"كنـت أفكـر في سـيلفيا بلاث، طوال يوم انفصالنا، بعد أن وقعت أوراق الطلاق كشـاعر يوقـع وداع ديوانه الأخير بحزن دخيل. فكرت في موتها، قصيدتها الأخيرة، حيث كانت هناك اكثر من طريقة لائقة للغرق في الموت، لكنها فضلت الموت وهي تختنق، لانها اختبرت شعورها بذلك دائما وهي على قيد الحياة".

لا يمضي كثير من الوقت حتى تنتقلُ بنا الروائية والمترجمة الشابة أسماء حسين، إلى ذروة الاستمتاع الفني بنصوص قصصها القصيرة، التي تكشف عمقها ومعناها عن طريق الأساليب والتقنيات التي تتألفُ منها، فلا تملك إلا أن تتعامل مع منجزها إلا اعتبار أنه قيمة جمالية معبرة عن تجربة وهموم إنسانية، كان مفتاحها الأساسي خيال خصب ساعد على التشويقِ والإنسيابية.

في مقابلة مع أسماء حسين، وبسؤالها عما تمثله بالنسبة إليها "سيلفيا بلاث" للدرجة التي وصلت إلى اشتقاق عنوان أحدث مؤلفاتها من إسم الشاعرة والروائية الأمريكية، ففسرت ذلك بأن بلاث شغلتها على المستوى الإنساني إلى أقصى حد، وأنها رأت فيها نموذجا جدير بالإنجذاب تماما كمن تنجذب لحالهم وذواتهم في الحياة، كشخصية غنية بحد ذاتها، وتفصيلات حياتها وثنايا شخصيتها كانت مثيرة للتأمل.

وذلك قبل أن تضيف أنها تنشغل ببلاث إنسانيا أكثر منه مهنيا، فالزخم الإنساني حولها أكبر من المنجز الإبداعي نفسه، تماما – كما في تقييمها لفريدا كاهلو والتي كانت رسامة موهوبة بالفعل ولكن هناك من هن أكثر موهبة وجدارة منها بانحياز التاريخ، ولكن التفاصيل الحياتية المثيرة وذائعة الصيت، هي سبب شهرة كاهلو رغم أنها ليست من الأكثر موهبة.

وتتابع أن سيلفيا في رأيها شاعرة ليست استثنائية بقدر ما تمكنت من أن تصبح "إنسانة غنية الأثر"، تملك في جعبتها تجربة مثيرة للفضول والتقدير، حتى وإن بدا ذلك غريبا على وقع من يسارعون إلى الظن بأن الشاعرة الأمريكية، هي أحد أيقونات أسماء المفضلة بسبب غزارة التطرق إليها إنسانيًا عند الكتابة.

ما يحسبُ لصاحبة " فسحة بويكا" هو بلوغ معدل متزايد من "الدهشة" مع المضي في الإطار القصصي وبنية السرد في العودة من سيلفيا بلاث، وتجيب عن ذلك بتأكيدها على أن أكثر مايشغلها خلال صناعة فضاء النص الخاص بها، ومايتخلله من توظيف للشخصيات والتدرج في حركة السرد، أن يكون "التشويق والدهشة" هو نواة العمل.

وتضيف: عندما تكون الدهشة هي محرك الكاتب نفسه، فإنها تبقى معه للنهاية، يكتب القصة بمتعة الكاتب والقاريء معًا، لذا، أحاول كتابتها بأسلوبي ككاتبة وكما أتمناها كقارئة، وأنه من البداية للنهاية فإن الحكاية تنشأ مما خلقته وأعيش معه أو داخله لبعض الوقت داخل خيالي، مما يسمح بأن يخرج بنفس لمسة السحر التي قد تثير الدهشة لسواي ممن يقرأ.

"سيقال بأنه شبح المرأة التى كانت فى حياة أخرى أما لطفل وحيد، تغمرها أمومتها، لكنها عادت لتقبض أرواح الناس عقابا وانتقاما لروح طفلها. سيقال بأنه وحش أسطورى سكن الأرض لسنوات وبث الرعب فى أنحائها حتى جاء الإنسان، وتغلب عليه وقهره، هكذا أحنقته فكرة تغلب الإنسان على فنونه للافتراس وإلقاء الفزع فى الكون"

يؤكد مضمون هذا العمل أن أسماء حسين لديها ثيمات معينة ومحددة كـ"الموت والوحدة والأمومة"، تكون جاهزة على الدوام لتحويلها إلى موضوع قصصي، وتوضح ذلك بأن مايجعل ذلك ضروري بالنسبة إليها هو أن "الأمومة أو الموت والوحدة"، يأتون في الصدارة من أسئلة وقضايا الحياة التي تشغلها، وتكون مفتوحة بالنسبة إليها على الدوام.

وأن الاستعانة أكثر من مرة بوجوه معينة لشخصيات فنية وأدبية في شريط السرد، مرده إلى أنها –وإن لم تتعمد ذلك- تسارع مخيلتها إلى استدعاء شخوصًا أو أعمالًا وظلالًا من آثارهم كما يحدث مع فان جوخ، وأن للأمر علاقة بحالة تشابك الأفكار والخبرات بداخلها، لولعها إلى جانب القصص والروايات، بالفنون واللوحات والرسم.

وتواصل: في بعض الأحيان أحب الإشارة لبعض الكتاب في بعض المواضع، أو أستعين أحيانًا ببعض المقتبسات التي تعني لفكرتي أو تتداخل مع حالة النص، وفي مجموعتي القصصية الثالثة أيضًا أعتمد على مداخل شعرية وتقاطعات أدبية، مع مداخلي وتقاطعاتي الخاصة، كما أحضرت بعض الكتاب بشخوصهم إلى أحداث بعض القصص، لكن كما ذكرت، يحدث الأمر بانسيابية شديدة ولا أقحمهم عمدا.

وعطفاً من جانبنا على كل ما ورد سلفاً، فقد نقلنا إلى أسماء حسين أنه يتلاحظ خلال المضي قدما في المجموعة القصصية، أن كلا من الرسم والألوان قد شكلا جزءا أساسيا من النصوص، وأن تلك المجموعة القصصية منفتحة على أشكال وأجناس فنية أخرى، لتجيب: ربما يعود الأمر بشكل كبير إلى كوني فنانة تشكيلية أيضًا ومحبة للفن، فالفن جزء من ممارساتي واهتماماتي ومن هواجسي ومن شخصيتي، والكاتب من آن لآخر - حتى في الخلق من الخيال - يضع جزءًا من روحه في أعماله.

وتستكمل: كذلك، الرسم كان هوايتى الدائمة، أما الكتابة فلم تكن أبدًا هواية لدىّ، لقد كانت دائمًا رد فعل للحياة، أسلوب حياة وضرورة تلقائية، نوع من المعايشة والتحايل الذي طورته روحي. وهكذا، أكتب طوال الوقت لأننى أحيا طوال الوقت.. وليس العكس.

وبخصوص اللمسة شعرية في كتاباتها، ترى أن الشعر هو أقوى لغة نملكها، حتى في كتابة النثر كثيرًا ما أمنح صوتي للشعر، أو يتبادلان الأدوار في لعبةِ مرايا، فالشعرية في السرد لا تبخل بجمالياتها واستعاراتها أو يحتمل أن تشوش جدية اللغة، بل تضيف للغة النص بتناغم مع وحدة السرد.

وتسترسل: كما أني شاعرة أيضًا في نهاية الأمر، والشعر في حقيقته ليس لونًا أدبيًا إنما هو نظرة للعالم. فستعم كل شيء. وفي العودة من سيلفيا بلاث تحديدًا اعتمدت على تجربة سرد النثر بزاوية خيالية شعرية، وهو ما قدمت له استشهادًا برؤية شارل بودلير التي تماثلها رؤيتي.

ومع إعمال القراءة في الأعمال الإبداعية السابقة للكاتبة الشابة ومقارنتها بأحدث أعمالها، يصير لزاما السؤال عن فروقات واضحة من عدمه، لتجيب: مشروعي الأخير حتى اللحظة هو العمل الأقرب لقلبي، والتجربة التي كنت أتوق لاكتمالها.

وتحكي أنها غمرت الأعمال السابقة بقدر كبير من الواقعية، وإن لم تخل من لمسة خيال، لكن في آخر تجاربها، أسست لانطلاق الخيال بشكل جامح، وجعلت منه عنصرا رئيسيا، وأنها حرصت على ما وصفته بـ" كتابة شغفها الذاتي، ذوقها وما تحبه".

ونحنُ نتحدثُ عن أولوية الخيال، ومزج النصوص والأفكار بالمشاهد الغريبة، نقلنا إلى "حسين" الحيرة التي تسود عن الفارق بين الفانتازيا والواقعية السحرية، لتفسر بأن الخلط والارتباك عند طرح ذلك، يعود إلى ازدحام التأويلات المتناثرة في كل مكان بخصوص تلك التصنيفات

وتضيف: الكثير منا يرتاب في الفارق لغياب الدقة على المستوى المفاهيمي، وانتشار المصطلحات الفضفاضة، مع الأخذ في الاعتبار أن الفارق أيضا بسيط بين الغرائبية والعجائبية، فالغرائبية هي الأمور الغريبة في السرد لكنها قابلة للحدوث، أما العجائبية فهي الأمور الغريبة في سرد النص لكنها غير قابلة للحدوث، كأن أقول لك أن النسور كانت تلتقط اللحم في قصة السندباد، ويلتصق به الماس فهذا شيء غريب، وهي مهنة لم نسمع بها من قبل فقط، لكن العجائبية أن يأتي طائر الفينيق لينقذ السندباد من وادي الأفاعي.

وتستطرد: الواقعية السحرية هي المخيلة العجائبية التي تظهر في بيئة واقعية، أو الجمع بين الواقع والفانتازيا، من خلال بناء الأمور الغريبة في سرد النص لكنها غير قابلة للحدوث.

أو بتعبير آخر تمزج بين الواقع الحقيقي والخيال السحري، مزجًا يجعل الخيال شيئًا اعتياديًّا، ونمطًا طبيعيًّا للحياة التي تعيشها شخصيات القصة، ولا تحاول تبرير ما هو سحري في الوقائع أو الأحداث، فكأنما عجائبيته جزء من عاديته، وهذا ما يجعل الواقعية السحرية أقرب انحيازًا للعالم الموجود من الفانتازيا في مطلقها، والتي تعمد إلى خلق عالم منفصل بأكمله لا صلة له بالواقع وله قواعده الخاصة به ولا يسودها سوى الخيال غالبًا.

 وعلى هذا النحو قد لا تنفصل العجائبية كثيرًا عن الفانتازيا ظاهريًا رغم اختلافها عنها، لكنها أحيانًا قد تصبح جزءًا منها كجزء من كل واسع. فمثلا كتابات ماركيز وبورخيس هي واقعية سحرية، بينما كتابة جورج مارتن هي فانتازيا، هي عالم بأكمله وتاريخه وكائناته خارج على الواقع والحقيقة. بينما الواقعية السحرية هي تحطيم للحدود التي تفصل بين ما يبدو حقيقة، وما يبدو فانتازيا، بحسب جارسيا ماركيز.

طرحنا عليها سؤالا عن أسباب التفوق كما وكيفا، في الإنتاج الغربي، لاسيما اللاتيني على الإبداع والخيال العربي، تجيب بأن: العالم الغربي واللاتيني وفئة نوعية من العالم العربي أيضًا تسبقنا وتتفوق بمراحل ثقافيًا وأدبيًا، وذلك بسبب ذكاء إدارة الموهبة، وارتفاع الوعي الثقافي للمجتمع لديهم مما ينتج عنه ارتفاع وعي الذائقة أيضًا، فمثلًا، الموهبة تشبه الكهرباء، نحن لا نفهم الكهرباء تمامًا، نحن نسخرها ونطورها.

وتشرح: نحن نفتقد هنا ذكاء تسخير الموهبة أو التعامل معها أو تطويرها، من كل الأطراف سواء المبدع أو المتلقي أو الجهات المختصة، فتمر المواهب مرور الكرام لعدم الالتفات والعناية بها أو تقتل نفسها بنفسها لسوء إدارتها. وكذلك نفتقر لانتشار القدر اللازم من الوعي ورعاية الذائقة لدى المجتمع والمحيط المتلقي. كل ذلك من شأنه أن يعطل من وصول الأدب لأي مكانة مرجوة.

ومع زيادة توهج نصوص "العودة من سيلفيا بلاث"، كان لنا سؤالا عن الطقوس التي أحاطت بعملية الكتابة، والوقت الذي استغرقته في عملية التأليف، أجابت بأنه في العموم، ليس لديها طقوس معينة في الكتابة، وإن كان "الاستغراق" هو سيد الموقف حينها والشعار الوحيد الذي ترفعه أثناء تأسيس عمل جديد.

وتتذكر: إلا أن الكوميدي بعض الشئ، والملحوظ بشدة خلال كتابة نصوص آخر أعمالي، هو تضخم رغبة غير مسبوقة في تناول "الشيكولاتة البيضاء" بغرابة طول الوقت، هذا هو الطقس العجيب الوحيد الذي أتذكره.

وبخصوص الوقت الذي استغرقته في كتابة عملها الأخير والطقوس التي أحاطت عملية الكتابة، تجيب بأنها مهدت لأفكار العمل مسبقًا في مسودات خاصة، وأن أفكاره كانت تشغلها وتلح عليها إلى حد بعيد، وبينما كان بعضها مكتوبا مسبقًا على فترات متفاوتة، جرى إعادة كتابتها في شكلها القصصي خلال عام 2018 ما بين يونيو وأكتوبر، أي في غضون حوالي أربعة أشهر.

لاحظنا أن العناوين الافتتاحية للقصص مختارة بعناية شديدة، وقد أجابت عن ذلك بأن ذلك وقع "مع سبق الإصرار والترصد"، قائلة: أعتبر تلك العناوين نوع أدبي بذاته، ففي العناوين خصيصًا يمكن للجملة أن تصبح تحفة فنية، العنوان جزء من شعرية وشخصية النص، وعلى العنوان أيضًا أن يختزل روح نصه دون أن يشف عنه، وقد تكون الجملة الواحدة الأخاذة سبباً كافياً لاختراع أشخاص وأشياء وعوالم جديدة، وعنوانًا لها، وقد تصبح بابًا لنص بأكمله.

وحول مايعتقده الكثيرون بأنه على الدوام هناك ظل في أرض الواقع للشخصيات التي يستعين بها الكاتب في أعماله، ردت: عندما أكتب أخرج عن قوانين العالم ولكن أجلبه إلى مساحتي من مخزون الذاكرة، وأتأثر به فقط دون أن التقط منه شيئًا بعينه.

وتعتقد بأنه ليس دوما بمقدور الكاتب أن يستدعي في نصَوصه ملامح من حياته الواقعية بشكل مباشر، فالكاتب قد يمنح نصوصه شيئًا من روحه، ولكن ليس من واقعه، فى الحقيقة ثمة خيط رهيف يفصل بين الإنسان وما يكتب، أستطيع أن أروى قصصًا لا حصر لها لا تمت لى بصلة، ولكن من خلال ذاتى، حينها سأكون أنا الروح التى تكتب القصة.

وتسترسل: أنا العين التى ترى التفاصيل على طريقتها، وليس كما يراها الآخرون، قد أكون أنا العاطفة التى حلت فى مجرد حكاية متناقلة أو مختلقة، كما أنني أمثل الأفكار التى غذت النص وانطلقت عبره، ولكننى لست أبدًا واقع ما كتبته، نحن روح كتاباتنا، ولسنا الحدث بالضرورة، فكلماتنا لن تصور حياتنا دومًا، خاصة في السرد البعيد عن الخاطرة الذاتية، انما بإمكانها أن تشف عن أرواحنا!

برغم ذلك فإن الكاتب ذاته - وكأي إنسان في عرضة للتغيير والاختلاف - قد يتغير وتتغير معالم ذاته وعالمه، فتتغير معها أفكاره، وكذلك أسئلته الكبرى، في الحياة أو الكتابة، ربما للسبب ذاته لم ولن يكن لدى أجوبة جاهزة ثابتة عن أي شيء في الحياة، لذا يجب أن تعتبر كل جملة أتفوه بها لا على أنها توكيد لحقيقة ثابتة، بل اعتقاد قابل للشك وخاضع للتجربة وأحيانا تساؤل مفتوح، أظن اليقين في الكون نوع من أنواع الوقاحة، والشك عنصر إنساني للحياة وبالتالي للكتابة.

"سيقال إن الموت بدأ وحيدا، يكاد يتساقط من الهزال ويتآكل فى فم الفراغ الكونى، فاخترع العالم وكائناته، كى يتسنى له التغذى والعمل بجدية، هو لن يؤذى شيئا بحق، اخترعهم من العدم وسيعيدهم إليه مجددا"

 لكل مبدع، خيوط يحب أن يتتبعها على الدوام، وبالاستفسار عنها في حالة أسماء حسين، تجيب بلا تردد أنها تفضل أن تحمل أي فكرة واقعية، إلى واحة من الخيال لتمنحها هناك أشكال جديدة، هذا هو شغفي والخيط الأكثر رغبة في الإمساك به طوال الوقت، يشغلني هذا الشكل من التناول، مزيج الخيال بالغرائبية.

وبخصوص الشكل الذي تكون عليه مكتبتها الشخصية، وتفضيلات البعض أن تكون "شديدة التنسيق"، وآخرون يحبذونها فوضوية، ردت بوصف مكتبتها على أنها تبدو كغابة واسعة بعد أن تحولت الأشجار بالفعل إلى أوراق، تملك كل خصائص الغابات كما أراها، أو هكذا أشعر.

وتتابع: هي بالنسبة لي شاسعة وضيقة معًا كالغابة، أرتبها بنظام يحمل لمسة فوضوية طبيعية، جدرانها من الخشب البني الداكن في شكل مدبب ومنقوش يحمل لي الشعور بحضرة جذوع الأشجار فيها، عند جردها وترتيبها أشعر بدفء وسط الكتب المتراكمة حولي لكني كذلك أشعر بالضياع، لذلك دائمًا ما أرى مكتبتي كغابة.

وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه "المآسي والسوداويات" في تحفيز خيال الكاتب أكثر من الأحداث والتجارب السعيدة، تجيب بأن خيال الكاتب يتغذى على المآسي وتزيده سوداوية الأحداث فائض من الإبداع، فالألم عامل ضروري لصقل وتقويم التجربة الإنسانية للروح وبالتالي الكتابة، والتي تبدو خالية من المعنى بدون تجربة الحياة ذاتها في خلفيتها.

لتضيف: عندما نتألم وعندما نحب، نكون في ضيافة الهشاشة، والهشاشة للمبدع دائمًا في ضيافة الموهبة، الألم ضروري للإدراك، والإدراك ضروري للتجربة وللموهبة، والتجربة والموهبة والإدراك جميعهم ضروري للكتابة.

 وتستطرد: لكنها ليست وسيلة للشفاء من آلام الحياة كذلك، إنما لإعادة تدويرها. أعتقد أن الكتابة لا تحرر أحدًا من هواجسه أو تشفي ندوبه، وهي ليست عملية علاجية بالضرورة. بل عملية تدوير، يمكن للإنسان إعادة تدوير الأشياء وتصريفها خلال الكتابة بحيث يتمكن من التعايش معها أو تخطيها. بما في ذلك هواجسه واهتماماته وقضاياه وآلامه.

وعن رأيها في انتشار بعض الكتابات والأعمال التي توصف بالرديئة، والتي تنتشر مع معرض الكتاب على سبيل المثال، ترى أن الكتابة لن تتاثر باختلاط الجيد والرديء، أو طغيان الرديء لبعض الذائقة الشعبية غير المؤهلة ثقافيا لبعض الوقت مثلًا، وهذا شيء مؤقت فقط ويسقط بالتقادم.

وتتابع: لن يؤثر هذا الاختلاط على الكيفية والجودة للعمل الأدبي الذي سيبقى زمنيًا، فالعمل الجيد تبقى له مكانته وقدسيته دائمًا، وخاصة بمرور الوقت، بينما تتلاشى بقية الأعمال بمرور الزمن وتسقط في النسيان. القداسة تكمن في العتاقة كما يذهب أرلوند هاوزر.

ولكن الغريب أن الرداءة نفسها ليست واحدة، فهناك رداءة الفكرة بأكملها وعدم وجود شيء لدى من يكتب سوى رغبته ليصبح كاتبًا فقط، وهناك رداءة الموهبة أو اللغة حول فكرة ما رغم قابليتها للحكي أو التناول. أحيانًا حتى الكتاب الرديئون يقولون الحقيقة، إنها رداءة الحياة ذاتها.

وبخصوص قادم أعمالها، كشفت عن أنها تنوي التوقف قليلا عن السرد، وأنها تفضل التركيز لفترة مع الترجمة قبل مواصلة السرد، لذا فإن عملها القادم سيكون في فئة الترجمات.




6 يناير 2020

أسماء حسين: الواقعية السحرية شغفى الأدبى الأكبر

 أسماء حسين: الواقعية السحرية شغفى الأدبى الأكبر

باب يقدمه: أحمد ليثي - جريدة القاهرة

__



أسماء حسين كاتبة وشاعرة من مصر، من مواليد 1990. درست الإعلام فى جامعة عين شمس. صدر لها فى القصة القصيرة: “عذرية”، و”فسحة بويكا”، وفى الشعر: “أجمل الوحوش التى عضت روحى”. 

تعتبر الواقعية السحرية هى شغفها الأدبى الذى يشغل الجزء الأكبر من اهتمامها، كما أنها تعتبر نفسها قارئة شعر فى المقام الأول وترى أن قارىء الأدب من دون الشعر ينقصه الكثير.

* ما الكتب الموجودة على طاولتكِ الآن؟

جنازة ثانية لعماد حمدى وحيد الطويلة، والنظر من ثقب الباب لأحمد أبو العزم، ومسيرة الفيل لساراماجو 

* ما أهم كتاب قرأتيه مؤخرًا؟

- سلسلة «أغنية الجليد والنار» لجورج مارتن وقد حصلت عليها مؤخرًا فى لغتها الإنجليزية إلى جانب الترجمة لمواكبة خط العمل التليفزيونى بقدر الإمكان، وهى تستحوذ على انبهارى التام على مستوى الكتابة واللغة والدقة فى نسج وبناء التفاصيل والعوالم المتجاورة المتجانسة فى مدار موازٍ للواقع من نسج الخيال. وهى فى ظنى أحد أهم الأعمال السردية مؤخرًا على عدة مستويات. ومجموعة «العالق فى يوم أحد» للكاتب الفنان عبد الله ناصر، وأحب أن أصف عبد الله بالفنان دائمًا، لأنه يكتب فى رأيى فنًا تعبيريًا حقيقيًا. أرى أنه معادل الفنان التشكيلى فى السرد والكتابة. لا يتوقف عن إسعادى وإبهاري. أنا عالقة فى حب كتابته منذ اكتشافى له عند أول قراءة لمجموعته “فن التخلي” وقد أصبح كاتبًا مفضلًا لدي.

* ما هو كتابكِ المفضل ولم يسمع به أحد؟

- رواية «الصبية والسيجارة» لبونوا ديتيرير، وهى رواية رائعة ليست معروفة على نطاق واسع، أرشحها عادة لمن هم على مقربة مني. كذلك أعمال “أفونسو كروش” خاصة روايته “الكتب التى التهمت والدي”، ورواية “سارقة الكتب” لماركوس زوساك، وهى جميعها ليست أعمالًا لم يسمع بها أحد بالمعنى الحرفي، وإنما أعمالًا أراها على قدر عال من الجودة ولم تقرأ على نطاق كافٍ.

* من هم الكتاب، الروائيون، النقاد، كتاب السيناريو، المسرحيون المعاصرون الذين أثروا بكِ؟

- أخشى أن أسقط البعض فهم كثر بالطبع، وليسوا بالضرورة معاصرون، لنقل روائيًا وقصصيًا: ميلان كونديرا وبورخيس ونجيب محفوظ وخوان خوسيه مياس وربيع جابر ودستويفسكى وكالفينو وإبراهيم أصلان ويحيى الطاهر وماريو بينيديتى وأفونسو كروش وكافكا وأحمد عبداللطيف وبثينة العيسى وموراكامى وساراماجو ومحمد المخزنجى وستيفان زفايج. فى الوقت الحالى هناك كتاب يؤرخون لمشوارهم الأدبى الغنى والقيّم، ويعملون على صقل أعمالهم باستمرار وبصورة فنية دقيقة دون التفات لمعطيات السوق التجارية واهتمام بالمبيعات أو اثارة ضجيج حول العمل وتلك السباقات اللاهثة، وهم من أفضّل القراءة لهم وأثق بمتابعتهم أكثر مثل عادل عصمت وعبد الله ناصر وحسن عبد الموجود ومنصورة عز الدين وأحمد الفخرانى وضياء جبيلي، وفى السينما أحب أندريه تاركوفسكى وروبرت بريسون «وأرى أنهما على الترتيب يمثلان للسينما ما يمثله بورخيس ودستويفسكى للأدب»، وأيضًا مارتن سكورسيزى وجيم جارموش وبيدرو ألمودوفار وغييرمو ديل تورو ومحمد خان وداوود عبدالسيد وعاطف الطيب ورأفت الميهي، فى المسرح ليس لى ذائقة معينة لأننى لست من عشاقه ورواده بشكل كبير باستثناء أعمال وليام شكسبير، فى المقابل أنا أولى اهتمام أساسى وعشق خاص للفن التشكيلى كشغف وكمتابعة ودراسة أيضًا، وأعتبره أداة إلهامى الأولى. وأتابع كل الفنانين والحركات التشكيلية وأحرص على التعرف على الجديد مما أجهله وباستمرار بينما أفضل بيكاسو وشاجال ومن المعاصرين أحب توماس روت وفابيان بيريز وأوين جينت وصفوان داحول. فى النقاد أحب ميلان كونديرا وألبرتو مانغويل وأمبرتو ايكو ورولان بارت، وعبدالفتاح كيليطو وإيهاب الملاح ومحمود عبدالشكور، من كتاب السيناريو أحب عوالم ومخيلة محمد أمين راضي، منذ مشاهدتى “نيران صديقة” من سنوات ومتابعة بقية أعماله لم أجد كاتبًا يمنحنى نفس الذائقة وفى ظنى هو المعادل الدرامى لقفزة رأفت الميهى الفانتازية التى حدثت فى السينما المصرية، وأقصد بذلك إرساء وتأثيرًا لا تشابهًا.

* متى تقرأين «الروتين المعتاد فى القراءة»؟

- ليس لدى طقس محدد أو روتين للقراءة.. لكن الحد الأدنى من الهدوء شرط ملازم لها، لا أستطيع القراءة فى وجود أى قدر من الصخب.

* من تثقين برأيهم فى الكتب؟

- فى الحقيقة ذائقتى المجردة فى المقدمة هى أكثر ما يرضينى رغم كوميدية اعترافى بذلك، وأثق كثيرًا بذائقة بثينة العيسى وإيهاب الملاح وعبد الله ناصر ومحمد النبهان ومنصورة عز الدين ومحمد أبو زيد ومحمد خطاب والخضر شودار.

* ما الذى يحرككِ فى أى عمل أدبي؟

- أن لا يقتصر على سرد حكاية ما، بل أشعر بأن للكاتب نظرته الخاصة للأشياء وللعالم. وأن يجعلنى أشعر بالألفة داخل العمل والرغبة فى الدخول إلى عالمه.

* ما الأنواع الأدبية التى تفضلينها، وما الذى تتجنبينه منها؟

- الواقعية السحرية لونى الأدبى المفضل وهى تستولى على الرصيد الأكبر من شغفى فى القراءة، كما أعتبر نفسى قارئة شعر فى المقام الأول من قراءاتي.. وأرى أن قارئ الأدب من دون الشعر ينقصه الكثير للشعور بغايات الأدب ذاته، فقد تخلى عن جهاز اللغة العصبى والحساس وهو الشعر. لأن باعتقادى القصيدة الجيدة هى الإيجاز الحسى لكل ما يمكن أن يقال فى كل لون آخر، وهى الموجز الذى بإمكانه الوصول أسرع وأدق إلى طرق العمود الفقرى للقارئ. إلى جانب ذلك أقرأ كل شيء ولا أتجنب أى نوع أدبى لأن النصوص جميعها ألوان منفردة عليها أن تتداخل وتجتمع لتشكل لوحة كاملة واضحة لتجربة القراءة. 

* ما الذى يجعل أى رواية جيدة؟

- إلى جانب التقنيات المتعارف عليها، أن يجعلك الكاتب ترى من خلال السرد ولا تشعر فقط، فتمزج مخيلتك الصورة المشهدية الممكنة بالشعور والمعنى، وأن تطرح إشكالًا إنسانيًا فى مضمونها، وكذلك تملك الألفة التى ذكرتها سابقًا، حيث تجعلك تنتمى للعمل وكأنك بداخله، ومشاركًا فيه بكل انفعالاتك.

* كيف ترتبين كتبك؟

- بحسب النوع، روايات/ قصص / شعر / قراءات / فن، وهكذا!

* إذا افترضنا أنكِ أستاذة جامعية، ما المادة التى يمكن أن تدرّسينها، وما الكتاب الذى تقررينه على طلبتكِ؟

- سأختار تدريس مادة حول «قراءة الصورة فى الفن التشكيلي»، وسأقرر قصص بعض الكتاب الذين فككوا الصور الفنية داخل قصصهم كنماذج دراسية على طلبتي.

* ما الكتاب الذى تفاجأت بوجوده فى مكتبتكِ؟

- موسوعة أعمال وعالم “مارك شاجال” تعرفت عليها من فترة قريبة وانبهرت بها، ثم حصلت مؤخرًا لنفسى على نسخة جديدة منها وأنا شغوفة بها إلى أقصى حد! وكذلك نفس الشيء مع موسوعة ضخمة بالإنجليزية اقتنيتها عن طريق المصادفة لكل ما يتعلق بعالم بابلو بيكاسو. أشعر وكأننى أتجول فى متحف خاص داخل كلا منهما.

17 ديسمبر 2019

لغة مقدسة بسبعة أرواح وبشر عاديون.. هل العربية غير قابلة للتجديد؟

__

 مشاركة من ملف "الجزيرة" عن عملية تجديد اللغة العربية، إعداد الشاعر "عارف حمزة" :
__

أسماء حسين للجزيرة: الحرّاس المتزمتون والموت السريري

تؤكد الكاتبة والمترجمة المصرية أسماء حسين من جهتها للجزيرة نت أنّ اللغة العربية -بعكس بعض الانطباعات التي تشير إلى قصورها عن التعبير أحيانا- تعد من أكثر اللغات مرونة.

وتبرر ذلك بأن للعربية "نسيجا طيعا يمكننا أن نضيف عليه ما نشاء من مفردات وألفاظ بما يتناسب مع كل مرحلة حضارية، فهي أولا وأخيرا تنتمي لنا، وقاموسها تحت تصرفنا. لذلك علينا الحرص على تجديدها بما يخدم متطلباتنا اللغوية لكل عصر".

وتستدرك صاحبة ديوان "أجمل الوحوش التي عضّت روحي" أنه ليس من الصحيح التعامل مع اللغة باعتبارها حبيسة داخل كهف يقف على أبوابه حراس لها، يظنون أنهم هكذا يخدمون لغتهم من التحريف أو التشوّه، فهم لا يستوعبون أن "حراستهم المتزمتة تلك تقود اللغة إلى الموت السريري".

وتستطرد أسماء بأن إحدى أزمات اللغة تكمن في "هرب أصحاب اللغة من لغتهم إلى لغات أخرى للتعبير"، وذلك حين لا تتوفر فيها صيغة تعبير منشودة في الحديث أو الكتابة عن مجالات شتى. 

وقالت أسماء للجزيرة نت إنه بسبب خشية المساس "بجذور اللغة"، لا نفكر بإضافة صيغ متفق عليها، في الوقت الذي "تتوفر عديد من المفردات في لغات أخرى، ميسرة واضحة، وقابلة للاستعمال، دون تخوفات أو تعقيدات نحوية".

أيضا هناك إشكالية المفردات الجامدة في الفصحى، والتي يبرر اللغويون التمسك بها كأصول لا يجب تحديثها، ويمكن استبدالها بمفردات أخرى أكثر مرونة، "ولكن تجد نفورا أو تخوفا من استخدامها لتشابهها مع العامية العصرية، مثل مفردة: تلفزيون، التي ما زال هناك إصرار لقصرها على: تلفاز، باعتبارها أصح لغويا، ونبذ الأخرى كشبيه عامي أو مستنسخ أجنبي، برغم استخدامنا لها في لساننا اليومي بالفعل، بينما في الحقيقة من الواجب اعتبار كليهما صحيحا، فمفردة تلفزيون أكثر ملاءمة للعصر وأقرب لألسنتنا"، وذلك وفق أسماء حسين التي تعتقد أن لغة اللسان الفاعلة لا بد من اعتبارها جزءا من تكوين اللغة الفصحى واستلهام المناسب منها، للإضافة عليها وتحديثها بما يحقق التوازن العصري للغة.

وفي استفسار للجزيرة نت عن استخدامها تلك المفردات في الكتابة، تقول المترجمة المصرية: "يحدث أن أتلقى أحيانا نقدا يخص استعمالاتي للغة، ومحاولات لتصحيحها وإعادتها إلى مسار الفصحى الثابت، بينما تخرج المفردات مقصودة تماما مني على هذا النحو، وأنا على قناعة تامة أن تطويري من التعبير بالعربية بما يناسب حاجة النص ويكسر عجزه اللغوي، أكثر نفعا وإثراءً للنص من التزمت الذي يقتل روحه المطلوبة. وبناء عليه، أعتبر لغتي العربية معيارية متطورة باستمرار".

‪الشاعرة المصرية أسماء حسين: اللغة العربية تعد من أكثر اللغات مرونة‬  (الجزيرة)


رابط الموضوع
هنا

23 يوليو 2019

مكتبة أسماء حسين - ألترا صوت






ألترا صوت - فريق التحرير

*عن الكاتب ومكتبته.. ألترا صوت تتجول داخل مكتبة أسماء حسين.

أسماء حسين كاتبة وشاعرة من مصر، من مواليد يونيو. درست الإعلام في جامعة عين شمس. صدر لها في القصة القصيرة: "عذرية"، و"فسحة بويكا"، وفي الشعر: "أجمل الوحوش التي عضت روحي".

  • ما الذي جاء بكِ إلى عالم الكتب؟
القراءة والوحدة. كنت أهوى سماع الحكايات في صغري واستكملت ذلك في القراءة لاحقًا، وفيما بعد بالطبع تطورت وتشعبت قراءاتي. وأصبحت بمثابة غذاء لا أستطيع التوقف عنه. ثم جاءت الوحدة، وأعتقد أن عادة ومع معظم الهوايات أو المواهب، يبدأ الأمر من الشعور بالوحدة. ليست الوحدة المادية والمحيطية بل الداخلية أو الروحية، الشعور الذي يدفعنا للبحث والشغف ومحاولة الاكتشاف ومحاولات التعبير، فنتعرف على هواياتنا، أو نكتشف مواهبنا، عبر ذلك الشعور. وهكذا بدأت الكتابة أيضًا، في محاولات للحديث خارج وحدتي. ولأنني حين أكتب، أرى وجهي في الكتابة واضحًا أكثر مما هو عليه في المرآة
  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتكِ؟
مجموعة "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، لها مكانة خاصة عندي. حصلت عليها بصعوبة وبعد بحث مطول لكن أعود لها باستمرار، ويبقى لها أثرًا كبيرًا في نفسي. إلى جانب ذلك لا أستطيع تحديد كتاب معين ولكن هناك اهتمامات تؤثر بي مثل الواقعية السحرية والشعر (قصيدة النثر بالأخص)، وكتاب أثروا بي مثل كونديرا وبورخيس وبسام حجار.
  • من هو كاتبكِ المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟
ميلان كونديرا وربيع جابر يأتيان في المقدمة عندي، لأن كلًّا منهما يملك نظرته الخاصة للعالم، نظرة فريدة وحساسة ولها خصائصها، ويناسبني أن أتسق معها كثيرًا في أغلب الأحيان. وفي الشعر بسام حجار. ثم بعد ذلك لا ترتيب معين للكتاب الذين أحبهم. أتذكر منهم الآن: بورخيس ونجيب محفوظ وخوان خوسيه مياس ودستويفسكى وماريو بينيديتي وأفونسو كروش، وهناك أيضًا: منصورة عز الدين وأحمد عبد اللطيف وبثينة العيسى وعبد الله ناصر وضياء جبيلي وإيمان مرسال ووارسان شاير.
  • هل تكتبين ملاحظات أو ملخصات لما تقرئينه عادة؟
نادرًا ما أفعل، خاصة مع الأدب. وليس من عادتي كتابة المراجعات خاصة في السنوات الأخيرة. الأمر في القراءة بدأ يتحول إلى اكتساب أكثر منه ملاحظة. ولكن أحيانًا أدون هوامش وأفكار استكمالية أو أقتبس نصًا مما أقرأ فقط.
  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟
بالتأكيد، كثيرًا، في الماضي ومع بدايات ظهور الكتب الالكترونية لم أكن أتصور قراءتي لغير الكتب الورقية وكان طقس شراء الكتب يشبه طقسًا سحريًا أنتظر أن أعيشه في كل مرة. وأسير على قدمي حتى المكتبة المفضلة لي مع شعور قديم بالحميمية. لكني كذلك كنت أشقى للحصول على بعض الكتب أو اقتنائها وهو الأمر الذي ساعد الكتاب الإلكتروني في انتهائه تقريبًا، لذلك بقدر ما أحب الكتاب الورقي فلا يمكن ألا أحب نظيره الإلكتروني أو أنكر فضله في توفير كتب عديدة بسهولة لي، وكذلك سهولة حملها معي على هاتف نقال أينما ذهبت. والحقيقة أن هناك فوارق حميمية تبقى بالطبع بين الكتاب الورقي والإالكتروني، لكن في ظني، القارئ المهتم بجوهر العمل ذاته لن يزعجه الفارق كثيرًا.
  • حدّثينا عن مكتبتك؟
مكتبتي هي غابة واسعة بعد أن تحولت الأشجار بالفعل إلى أوراق. تملك كل خصائص الغابات كما أراها أو هكذا أشعر. فهي بالنسبة لي شاسعة وضيقة معًا كالغابة، أرتبها بنظام يحمل لمسة فوضوية طبيعية، جدرانها من الخشب البني الداكن في شكل مدبب ومنقوش يحمل لي الشعور بحضرة جذوع الأشجار فيها. عند جردها وترتيبها أشعر بدفء وسط الكتب المتراكمة حولي لكني كذلك أشعر بالضياع، لذلك دائمًا ما أرى مكتبتي كغابة. أكبر نصيب للكتب من مكتبتي دائمًا للشعر، الشعر يكاد يحتلها. ثم بعد ذلك تأتي القصة والعلوم الإنسانية والفن والألوان الأخرى. عندما أسافر أو أتنقل دائمًا ما أحمل معي كتابًا أو أكثر ولا بد أن يكون أحدهما للشعر.
  • ما الكتاب الذي تقرئينه في الوقت الحالي؟
حاليًا أقرأ رواية "بياصة الشوام" لأحمد الفخراني، ومجموعة "محاولة متأخرة للبكاء" لزينة حموي.


الحوار في ألترا صوت

28 أبريل 2019

الشعر إلهامي والقصة بيتي والترجمة ضرورة - حوار / العربي الجديد / ضفة ثالثة

  بمحاورة: صدام الزيدي 



__

تعتقد المترجمة المصرية أسماء حسين أن هناك تطورًا متصاعدًا في حركة الترجمة المعاصرة من حيث الذائقة والجودة والكم ينعكس في الأعمال المترجمة، مشيرةً إلى أن الجيل المعاصر من المترجمين يمتلك حسًا إبداعيًا ملحوظًا وتذوقًا واعيًا.

وعن اهتمامها بالترجمة، ولِمَ تُترجِم؟ قالت أسماء حسين (وهي شاعرة وكاتبة قصة ومترجمة مصرية): "أترجم حتى لا يضيع النص في سجن لغة واحدة".

بدأت أسماء ككاتبة قصة حيث شغفها الأكيد وبيتها الحميم الذي لا يمكن مغادرته: "لا شيء يمكن أن يأخذني من القصة القصيرة لأنها منزل حميم دائم لي لا يمكنني مغادرته". وعن تفاعلات الكتابة إجمالًا تقول: "إن أجمل ما يحدث للكاتب في مشواره هو أن يكتب ذوقه، والأجمل حين يكتبه على نحو جيد"، مشددةً على أن "قراءة الأدب مران أساسي لكتابته بشكل جيد".

لكن بصدد الحديث عن الشعر (وهي من كُتّاب قصيدة النثر الشباب في مصر) تعترف أسماء حسين في هذا الحوار مع "ضفة ثالثة": "الشعر هو إلهامي الأول للكتابة، يليه الفن التشكيلي. الشعر وحده يغفر لنا حماقاتنا ويفي بالبقاء معنا دائمًا ولا يسيء فهم ندوبنا".

هي خريجة قسم الصحافة بكلية الإعلام، ومع ذلك لم تنل الصحافة شيئًا من اهتمامها: "الصحافة تأكل من الكاتب أو الشاعر جزءًا من مصداقيته، مهما ادعى بعكس ذلك". وفي هذه الجزئية تتحدث أسماء بجرأة عن مشهدية الصحافة العربية وهي المتمردة في آرائها وفيما تكتب من قصص ضد ممارسات مجتمعية تجد فيها انحسارًا عن القيم. لكن الحنين يبقى فلسطينيًا، تماهيًا مع حنين الأم للوطن وللجذور: "حين أكتب عن فلسطين أطل على العالم من بيت فلسطيني".

هنا الحوار معها:

* ذات يوم بعيد، تخلص شقيقك الأكبر من حزمة كتب ضاق بها ذرعًا فذهبتِ أنت لاحتضانها؟ ما الذي حدث بالضبط؟

- بالفعل في عمر الثامنة، اتجه شقيقي للتخلص من مكتبته القديمة بأكملها لأسباب خاصة به ذلك الحين، وكنت شغوفة بالكتب والقصص الطفولية منذ صغري، وأعتقد أن لذلك الأمر علاقة بالحكايات التي كانت أمي تحكيها لي قبل النوم في طفولتي ولم أكن أغفو عادة من دونها، شغفي كان سببًا لكوني لم أتحمل رؤية الكتب تطرد كضيف منبوذ خارج المنزل، وتلقى بإهمال. اعتبرت أنني كمن وجد كنزًا لا يشاركه فيه أحد بفرحة ويتسلل لسرقته، خاصة وأن أغلب الكتب كانت تكبر عمري وعقلي ثقافة في ذلك الحين ويطغى على شعوري بها الانبهار، وكما أقول دائمًا حول نفس الأمر. في الحقيقة، اعتبرت الكتب أصدقاء مقربين دائمًا، ولا أحد يتخلى عن أصدقائه. وهكذا بدأت أوطد علاقتي ومعرفتي بأصدقائي. 

حكايات النوم وغرام القصص

"ورطت محيطي الاجتماعي بكتابتي عن التزمُّت والازدواجية التي رأيتها فيه، وحكايات التحرش داخل الأسر التي عاصرتها وكنت شاهدة على ضحاياها"

*"حكايات للأمير حتى ينام" ليحيى الطاهر عبد الله هو أول كتاب قرأته. هل هذا ما قادك إلى كتابة القصة القصيرة؟

وقعت في غرام القصص القصيرة مع حكايات النوم التي غمرتني بها أمي، ثم تطورت عاطفتي مع قصص ومجلات الأطفال المطبوعة في ذلك الحين والتي كان شغفي بها كبيرًا، واتخذ شعوري بالقصة منحى آخر بمثابة مفترق مع قراءتي في ذلك السن اليافع لمجموعة "حكايات للأمير حتى ينام"، وتليها مجموعة "صفحات مطوية" لصلاح ذهني، والتي وضعتني لأول مرة في عوالم الواقعية المجردة من المخيلة، حيث صادفت أدبًا ينقل جزءًا حيًا من تجارب وحيوات البشر أتعرف عليه لأول مرة. وبين الإطارين، الواقع والمخيلة، تتنوع كتابة القصص، لكن تظل القصة الجديرة بالكتابة عليها أن تسرق قارئها من عالم وتمنحه آخر خلال لحظات قصيرة، حتى يشعر بفارق عند العودة.

* في 2012 صدرت لك "عذرية" مجموعة قصصية أولى، ثم في العام المنصرم 2018 صدرت لك مجموعة ثانية "فسحة بويكا". بين ذلك وصلت قصتان لك إلى القائمة القصيرة في جائزتين مهمتين (جائزة إليزابيث جولي وجائزة مسلكسيا لأدب المرأة)، كما فازت إحدى قصصك في مسابقة أدبية فلسطينية. أعطنا لمحات عن هذه التفاعلات؟

خلال المجموعات والتجارب السابقة قصدت مزج الواقع مع الخيال مع تغليب الكتابة الواقعية الفاضحة لكل الحالات الإنسانية التي رأيتها في الواقع حولي. لقد تعمدت حتى توريط محيطي الاجتماعي في كتابتي الواقعية بكتابتي عن التزمُّت والازدواجية التي رأيتها فيه، وحكايات التحرش داخل الأسر التي عاصرتها وكنت شاهدة على ضحاياها، وجراح القضية الفلسطينية التي تمس أقرب الناس لي، وحكايات عن اليأس والاغتراب والحب والخيانة وشغب المجتمع، وكلها تمُتُّ لواقعنا بصلة. لكنني في التجربة التالية حرصت على كتابة شغفي ذاته.. كتابة ذوقي أنا وما أحبه أكثر من سواه وأنحاز له بشدة.. وهو الواقعية السحرية.. وما زلت أردد بأن أجمل ما يحدث للكاتب في مشواره هو أن يكتب ذوقه، والأجمل حين يكتبه على نحو جيد. 

الشعر رؤية للحياة

"كقارئة، أتغذى على الشعر، ولا أقرأه فقط. والشعر يسيطر على خيالي وروحي وعلى أرفف مكتبتي، وحتى عند كتابتي للنثر أختار أن أكتبه بقدر من الشعرية التي أثق برؤيتها في الحياة"

* تكتبين قصيدة نثر جميلة ومغايرة. متى تحديدًا اتجهتِ إلى كتابة قصيدة النثر؟ ومتى ترى النور قصائد لك في كتاب؟

اتجهت لكتابة قصيدتي الخاصة من سنوات. كانت لها ملامحها الواضحة من 2016 تقريبًا، لكني انتميت لمحبي قصيدة النثر قبل ذلك بزمن طويل، ولعاشقي الشعر في المطلق منذ الصغر. بعكس كل ألوان الكتابة الأخرى، بالنسبة لي، الشعر لا يقع في منزلة اعتباره لونًا للكتابة أو القراءة فقط، أو يقع في ترتيب انحياز أو تذوق مع الألوان الأخرى، بل هو اتجاه للحياة. ولا يقع هذا الكلام ضمن الكليشيهات الشائعة عن الشعر والشعراء. بل في رأيي، لا يمكن للشعر الحقيقي الحر إلا أن يكون نظرة للحياة ذاتها بأكملها، كرؤية وحس وليس مجرد نص أو مجاز. الشاعر الحقيقي يكون شاعرًا حتى في نظرته للأشياء، تلمس روحه فيما يفعل وفيما يريد وفيما يكون. كقارئة أنا أتغذى على الشعر، لا أقرأه فقط. والشعر يسيطر على خيالي وروحي وعلى أرفف مكتبتي، وحتى عند كتابتي للنثر أختار أن أكتبه بقدر من الشعرية التي أثق برؤيتها في الحياة. ومخيلتي أيضًا بحاجة إليه حتى لتكتب القصة. الشعر هو إلهامي الأول للكتابة، يليه الفن التشكيلي. بعكس أغلب الكُتّاب ممكن تكون القراءة والتجارب حافزهم الأول، ففي الحقيقة لا، في حالتي التجربة الحياتية هي بالطبع عامل نضج وخبرة يضيف للكتابة، وقراءة الأدب مران أساسي لكتابته بشكل جيد، لكن الإلهام الحقيقي العفوي لي يأتي من الشعر والفن التشكيلي.. يمكنني أن أخرج قصة من داخل شارع، لكن ما يدفعني لكتابتها بالفعل أن تلوح لي من داخل مخيلتي أمام لوحة. لطالما اعتقدت أن الشعراء باستطاعتهم نقل الحساسية المغمورة في التفاصيل بفاعلية أكبر للأشخاص الذين ينهمكون في الحياة اليومية والنشاطات العادية التي تسحب منهم حق الشعور بما خلف القشرة وما داخل العظام. وقبل أي شيء آخر وأكثر من أي شيء.. الشعر وحده يغفر لنا حماقاتنا ويفي بالبقاء معنا دائمًا، ولا يسيء فهم ندوبنا.

*"القصة القصيرة هي لوني المفضل الذي أنحاز له دائمًا انحيازًا متطرفًا". أقتبس هذا الكلام لك. هل سيحول الشعر أو الترجمة دون استمرار هذا التطرف الجميل في يومٍ ما؟

لا شيء يمكن أن يأخذني من القصة القصيرة، لأنها بالفعل منزل حميم دائم لي، يمكن القول بأنه منزل لا يمكنني مغادرته حتى وإن سافرت أو تنقلت أعود إليه بالضرورة. إني أنتمي أيضًا إلى المنحازين إلى مخيلة الأطفال في الكتابة، حيث كل شيء يقع في المخيلة هو حدث ممكن حدوثه داخل القصة، وكل عالم يحمل عالمًا آخر خلفه ربما، وهو ما يتيحه برحابة عالم القصة القصيرة.

عن الترجمة

* في 2017 انطلقت كمترجمة محترفة. ولك ترجمات شعرية وإبداعية عن الإنكليزية منشورة في الصحافة الثقافية العربية.. لماذا تترجمين؟ ما واقع الترجمة الأدبية في المنطقة العربية الآن؟ ولماذا أدبنا العربي لا يُترجم إلا في مبادرات قليلة جدًا هنا أو هناك؟

بدأت من الرغبة في مشاركة الجميع ما أحببته أو ما تمنيت كتابته بنفسي ولم تتسن لي الفرصة ذاتها. وحتى لا يضيع النص في سجن لغة واحدة ونطاق واحد دون أن يصل إلى ما يستحقه من الوجود والانتشار. ثم أردت أن أتقن الترجمة، أن أجدها مغذّية لمخيلتي ووعيي لا أن أستخدمها للاطلاع والمشاركة فقط. وأرى تطورًا متصاعدًا في حركة الترجمة المعاصرة في الأعمال من حيث الذائقة أو الجودة أو الكم. كما أن الجيل المعاصر وما قبله بقليل من المترجمين يمتلك حسًا إبداعيًا ملحوظًا وتذوقًا واعيًا. ولكن بالطبع وللأسف لا يحظى الأدب العربي بنفس الفرصة للهجرة والتجدد، وهذه إحدى الصعوبات التي تواجهها الترجمة إلى جانب عائق جدلية اعتبار المترجم كخائن والنظر للترجمة باعتبارها خيانة للنص الأصلي. العديد من الأعمال الإبداعية العربية تتفوّق على أفضل أعمال الأدب الغربي وتستحق الترجمة وفرصة أن تحظى بقراءة حول العالم. ولا أتفق مع من يرون أن الترجمة مجرد عملية شكلية وفعل زهو أو اكتساب "برستيج ثقافي"، وأننا نكتب فقط لمواطنينا، أو اتجاه البعض للاحتفاء بعمله المترجم بمجرد صورة وبضعة لايكات، بل هي عملية ضرورية لانتشار الأدب ولا تتعارض مع حقيقة أن صوت الكاتب العفوي يوجه لأهل وطنه، وتجربة هامة لأي عمل أن يكون مقروءًا حول العالم.

* يصدر قريبًا أول كتاب قمت بترجمته وهو عبارة عن قصائد لشاعرات معاصرات عن الإنكليزية. ماذا عنه؟

هو مجموعة من المختارات المترجمة لعدة شاعرات، تشترك في كونها تنتمي إلى قصيدة النثر النسائية المعاصرة كذلك، وتحمل عنوان: "نساء يصعب حبهن"، حيث تُحوِّل شاعرات تلك المجموعة الشعر تارة إلى نهج حياة خاص، وتارة إلى وسيلة للتعافي، وأحيانًا إعلانًا مشهرًا في وجه العالم عن الرفض والغضب؛ بينما يُحوِّلن الحياة بكل تفاصيلها إلى قصائد، تُسمّي اللحظات والمشاعر والتجارب بمسمياتها الحقيقية.

عن الصحافة!

*تخرجتِ في قسم الصحافة بكلية الإعلام. وما يُنشر لك هو أعمال مترجمة أو كتابات شعرية- قصصية.. هل أخذتك هذه الهموم عن ممارسة الصحافة كمهنة يومية؟

في الحقيقة الصحافة لم تنل محبتي يومًا، أو أشعر بالرضى لممارستها كمهنة على أي نحو، برغم حبي العفوي لدراستي الإعلامية بشكل مجرد واستفادتي منها بالفعل في نواحٍ مختلفة من حياتي لاحقًا.

وأرى أنها تأكل من الكاتب أو الشاعر جزءًا من مصداقيته، مهما ادعى بعكس ذلك. لأن الصحافي يحيد انتماءاته وانحيازاته الإنسانية بالضرورة، ويخضع بشكل أو بآخر لظل مؤسسته التي ينتمي لها، وإن فعل ما دون ذلك فهو ليس صحافيًا محترفًا كما تقول المهنة وتعلمه مبادئها الصارمة. الصحافي حرفي جيد ويتعلم وضع المجاملة الضرورية في قالب من المودة أو الهجوم المستتر في قالب من الموضوعية، ويتبنى صيغته الشاعرية إن لزم الأمر إذا ما كانت الصحافة أدبية مثلًا. ويتعلم الخضوع لقوانين مؤسسته وما يمليه عليه عمله. لا يمكن للصحافي العام أن يعلن انحيازاته العارية، وعليه فقد يقف أمام انحيازاته ذاتها عند تناول أي شيء بحياد مهني، بينما الصحافي في الصحافة الثقافية والأدبية لا يسعه أن يتبع ذوقه الخاص دائمًا، فهو إما ينحاز للكتابة بشأن ما يحب وما يتذوق فقط وفي هذا مجاملة لذوقه الخاص على حساب وعي القارئ الجمعي، وإما يتناول ما لا يحب بحماس مفتعل ومجاملات منمقة، وتصبح المقالات النقدية أو الحوارات الثقافية هي تلويحات صداقة مستترة ومجاملات متبادلة تتجمل وترتدي ثوب الموضوعية. لا يمكنني الانتماء إلى احتكار ملزم بالحياد الجاف أو المجاملة مثل الصحافة، وأرفض أن أخضع لأفكار اجتماعية لا تناسبني كي أخضع بشكل أو بآخر لأفكار مؤسسة.

* مع هذا لا يمكن إغفال دور الصحافة كواحدة من ضرورات التفاعل والتواصل الحضاري بصرف النظر عن ادعاءات الحياد أو ممارسات اللاحياد هنا أو هناك، وثمة هناك ما يمكن أن نقول عنه "الصحافة التخصصية". دعينا ننتقل إلى الفضاء التفاعلي: ماذا عن فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي؟

أحب مواقع التواصل الاجتماعي وأتفاعل معها بشكل شخصي، وأدبيًا أراها منصة ضرورية وحيوية في الزمن الحالي لانتشار ومتابعة الأدب والاهتمام بتناول الأعمال الأدبية، لأن اختلاف حركة النشر والقراءة واعتمادها على الانترنت بشكل كبير وتغير متطلبات العصر بشكل ما يعزل كلا من الكاتب والقارئ عن التواصل مع الحركة الثقافية ما لم يتصلا بتلك المواقع بصورة كافية.

* ما هي حدود جنونك؟

أعتقد أن لا حدود لجنوني.. في الواقع أو الخيال. وفي الواقع كلما زاد وعي عقلي أو إدراكه زاد جنوني كذلك.. لأن المرء أحيانًا يزداد جنونًا حين يزداد عقله رجاحة بنفس القدر والضرورة.

* ماذا عن الحنين، حين يجيء فلسطينيًا؟

الكتابة عن الشأن الفلسطيني ومن داخل الهوية الفلسطينية إحدى هواجسي دائمًا، شأنها في ذلك شأن فكرة الموت ونسبية الفن. وأعتقد أن للكاتب دائمًا هواجسه الخاصة مهما حاول التخلص من ذلك. أنا منحازة دائمًا للهوية الفلسطينية. ولا أحاول بالضرورة أن أستدعي الأمر بل يأتي وحده وأترك يدي وأكتب ما لدي.  وحين أكتب في هذا الشأن أحاول أن أسير داخل حذاء مواطن فلسطيني حقيقي بقدر الإمكان وأقف لأطل على العالم من بيت فلسطيني.

*

____

** تنويه:

أعتز بهذا الحوار جدا ولكني أحب التنويه على شيء.
من مساويء الصحافة الثقافية أحيانا نسب أشياء للشخص دون الرجوع له أولا أو مراجعته معه، أو اعتمادهم صياغات غير ما وردت في المسودة. وهذا للأسف سيء جدا.

 أمام اعتزازي بالحوار لكنه يحمل مغالطتين من تحرير الديسك. أبلغني الموقع بعدم امكانية التصحيح، وقد يتكرر تضمينهم بالخطأ في أي صيغة معلومات أخرى لذلك وجب التنويه.

أولا أمي مصرية وليست فلسطينية الجنسية، أكتب عن القضية الفلسطينية لأني أهتم بها من طفولتي وليس لأني فلسطينية.
ثانيا أنا خريجة آداب اعلام عين شمس وليس كلية اعلام القاهرة. وتخصصي هو الصحافة. والاخراج الصحفي هو موضوع تخرجي وليس تخصصاً.  

وشكرا

26 نوفمبر 2018

أسما حسين: لكي تحب نصك، عليك أن تقسو عليه أولاً. - جريدة النهار

حوار: شريف صالح
الجمعة 16 نوفمبر 2018

لكل منا بداية.. وما أجمل البدايات.. محبة أول كتاب قرأناه.. وفرحة أول جائزة.. كُتاب تركوا فينا بصمة لا تمحى.. وكلمة شجعتنا على مواصلة الطريق.. أصدقاء وأفراد من الأسرة احتفوا بنا وآخرون تمنوا لنا الفشل.. وعبر رحلة الكتابة تولد طقوسنا ومزاجنا الخاص.
«النهار» تحتفي هنا بتجارب المبدعين وبداياتهم.. وفيما يلي دردشة مع الكاتبة والشاعرة أسما حسين:


هل تذكرين أول كتاب وقع في يدك؟
تلك حكاية طريفة بذاتها. وربما أسطورة صغيرة تخصني وأحب سردها. كان عمري 8 سنوات فقط، حين اتجه شقيقي الأكبر للتخلص من مكتبته القديمة طاردًا الكتب كضيف غير مرغوب به خارج المنزل، شعرت بالحسرة لمصيرها، كانت كنزًا بالنسبة لي، اعتبرت الكتب أصدقاء مقربين دائمًا، ولا أحد يتخلى عن أصدقائه. لملمتها بما يشبه الاعتذار وأدخلتها غرفتي إلى جانب كتيباتي الصغيرة وبدأت رحلتي معها. كان الكتاب الأول الذي وقع اختياري عليه ليحيى الطاهر عبد الله: «حكايات للأمير حتى ينام»، وللمصادفة كانت أول مصافحة لي مع القصة القصيرة، وهي لوني المفضل الذي أنحاز له دائمًا انحيازًا متطرفًا. كما أنحاز لكتابة يحيى الطاهر.

جائزة.. أو كلمة.. شجعتك على مواصلة الطريق؟
قد يكون ذلك غريباً، كما يظل ساحرًا بالنسبة لي، لكن كل الجوائز والكلمات والخطى التي شجعتني كانت أمي. كل ما يصدر عن أمي كان دافعًا لي، كنت طفلة سرية الموهبة في الكتابة والرسم، لم أستعرض مواهبي بحرية سوى معها. لن أذكر أسماء لكتاب كبار أرشدوني هنا وتحمسوا لي، بل أذكر امرأة خافتة الوجود، كانت تشجعني وتدفعني لتطوير موهبتي وتوفر لي ما أرى. والسبب الأول الذي شجعني للنشر كان حين تخبرني أنها تنتظر أن تمسك بكتابي الأول وكتبي التي تليه بين يديها. في البداية، كنت أنشر لأجلها وأتحقق لأجلها، قبل أن أشكّل منها نفسي وتحققي الخاص وألوّح لها بكل شيء في الخفاء.

كاتب ترك بصمة مهمة عليك؟
ميلان كونديرا، ونجيب محفوظ، وطارق إمام، وخوان خوسيه مياس، ويحيى الطاهر عبد الله، وإبراهيم أصلان، وربيع جابر، وإيمان مرسال.
كل منهم يحمل مفتاحًا مختلفًا لغرفة تخص العالم بقدر ما تخص الأدب بداخلي. كذلك أحب الكاتب الذي لا يحاول أن يشيد العالم ثم ينهار، بل يفكك العالم إلى مفردات جديدة ليشيد آخر. يسحرني الكاتب الذي باستطاعته خلق مخلوقات جديدة من عدم أكوان موازية ولا يكتب اسقاطًا على المتاح من مخلوقات وعوالم.

متى وكيف نشرت أول نص لك؟
للأمانة لا أذكر تحديدًا، وقد حدث ذلك مؤخرًا من العمر بالتأكيد. كل نصوصي ماضيًا كنت أحتفظ بها لنفسي وأعمل عليها في صمت، ولا أشاركها سوى مع والدتي تقريبًا. وفي عمر 18 سنة خضت تجربة النشر الالكتروني وكانت بضعة كتابات خفيفة ينقصها النضج بالتأكيد. لذلك لم أهتم بالعودة لها. ثم قدمت قصتي القصيرة الأولى بمسابقة أدبية فلسطينية، وفزت. كانت عن العودة التي تشغلني دائمًا. وبعد فترة بدأت النشر في عدة مجلات ثقافية.

كيف تفهمت الأسرة رغبتك أن تصبحي كاتبة؟
ـ شغفي الأول كان بالرسم وخلق المشهد الملون، وكان طالعي يشير إلى الوجود داخل اللوحة حتى التيه. وهو ما لم يرق لوالدي كثيرًا، والذي رأى الفن مسلكًا خرافيًا كرجل عسكري في المقام الأول. وبالتالي كان ممتنًا ومشجعًا لخروجي عن اطار اللوحة ودخولي للصفحات الممتلئة باللغة من باب كتابة الأدب. والذي كان حلمي الآخر. خاصة مع دعمه لاتجاهي لدراسة الصحافة.

هل هناك أصدقاء شجعوك؟
العديد من الأصدقاء كان لهم أثرًا محبًا لا أنساه، وبالطبع كان لأصدقائي المحبين آراء طيبة ومحبة، وفي هذا الشأن كنت بطبيعتي أمتن للمديح ولا أعتمد عليه بالضرورة لأن بلوغ الرضا التام هو عطل للنضج الفني. وهناك قصص طريفة ولكن بغاية الرقة أتذكرها في ذلك الشأن. بداية من صديق دراستي الإعدادية الذي كان يحب نصوصي ورسوماتي واشترى كراسًا لجمعها داخله وصنع من الكراس مجلة وأسماها مجلة أسما وظلت معه لسنوات خلال عهدي به. ثم صديقتي التي طلبت مني مازحة كتابة حكايات تستطيع روايتها لطفلتها الأولى مساء لجهلها بالأمر، وصممت بالفعل كتابًا صغيرًا أهديته لها، فصارت تروي منه حكايات النوم، وأخبرتني أنني بذلك صرت الكاتبة المفضلة لطفلتها منذ نعومة أظفارها.

ما هي طقوسك مع الكتابة؟
لا تلزمني طقوس محددة، أكتب في مختلف الظروف تقريبًا، ربما أميل للاستماع لعمار الشريعي وإليني كارايندرو بشكل اختياري. لا أعني بالمكان كثيرًا، أكتب في المواصلات والعمل والمنزل والحدائق، لكني لا أكتب أبدًا في وجود أي شخص برفقتي أو أثناء تواصل ما، تلزمني الوحدة النفسية للكتابة والبشر يمرضون مخيلتي بشدة. لا أكتب بخط يدي مطلقًا، ولا توجد لدي مسودات، عقلي هو مسودتي الوحيدة، أقلّب داخلها الفكرة وأحررها متى كانت بحاجة لذلك، حتى تتشكل لصورتها المثلى داخلي، ثم تخرج مباشرة. يمكنني العودة للنص والتحرير بعد ذلك، كاكتشاف حجرات جديدة في النص عند كل عودة.

تجربة أول كتاب نشرته؟
في الحقيقة لا أعرف هل أميل لاعتبارها طريفة أو مؤسفة، فقد حملت كلا الجانبين بامتياز، في عملي الأول رغم بساطة القصص وقلة نضجها سرديًا قياسًا على عمري الصغير آنذاك 19 عامًا، فقد رفضتها دار النشر الأولى بسبب «جدية» الموضوعات بداخلها، وحاجة «السوق» الأدبي التجاري للرواية ولتكن خفيفة مثيرة أو رومانسية لجذب الشباب، ونصحني الناشر باستغلال الكتابة النسوية العاطفية كفتاة لتحقيق شعبية واسعة بجيلي، ثم أصدرت مع ناشر آخر المجموعة ذاتها وكانت تجربة لا تقل أسفًا وطرافة للحق. لا أعتبر نفسي محظوظة في الخطوات الأولى. وأعتقد أن ذلك ما صار يواجه أغلب الشباب في بداياتهم حاليًا من قصص مكررة مع دور النشر التجارية وترفّع الدور الكبرى عن الالتفات للتجارب الجديدة. إنها تجربة بديهية لكل كتاب أول إلا فيما ندر. لكني لم أنشغل كثيرًا بالأمر لمتعتي بالكتابة ذاتها. وبمجرد أن يصل النص عند صورته الأخيرة وأشعر بالراحة تجاهه، أعتبر أنني قد نجحت.

ماذا تعني لك الجوائز؟
«شوية فلوس زيادة». المعنى الوحيد الحقيقي للكتابة داخل الصفحات. الذائقة نكهة متغيرة وليست نصًا سماويًا لا يحيد، والجوائز هي بضعة نقود إضافية في اليد ليس إلا.

كتاب تمنيت كتابته؟
لنقل، الكثير. لكني لم أتمن كتابتها بالضبط، بقدر ما حرضتني للتأمل والكتابة الجيدة. الشعر الجميل في مطلقه محرض عظيم لي، ومن السرد: «هكذا كانت الوحدة» و«من الظل» لخوان خوسيه مياس، «الكتب التي التهمت والدي» لأفونسو كروش، «الطوق والأسورة» ليحيى الطاهر، وهناك أيضًا «سارقة الكتاب» لماركوس زوساك والذي وجدته يتماس للمصادفة مع إحدى الأفكار الفانتازية في بنية روايتي الأولى الخاضعة للكتابة، لكنه من أكثر الأعمال عبقرية وعذوبة. وبالطبع «لعبة العروش» لجورج مارتن الذي أعتبره العالم الأكثر تعقيدا وذكاء الذي صنعه كاتب مؤخرا.

عمل تخططين لإصداره قريباً؟
انتهيت مؤخرا من مجموعة قصصية، هي الثالثة لي، اتجهت فيها للتجريب السردي في إطار الواقعية السحرية، أو الفانتازيا، الإطار المفضل والأحب لي كقارئة أولًا. وأنا سعيدة بذلك لأن من أجمل ما يحدث للكاتب أن يكتب ذوقه الخاص.

حكمتك؟
لكي تحب نصك، عليك أن تقسو عليه أولاً.

رابط الموقع: